نتيجة لخطاب الكراهية والتحريض على القتل في السودان أصبح القتل في الحرب الدائرة الآن ليس كافياً للجناة، وإنما هناك مظاهر غبن تظهر من خلال التنكيل والتعذيب التي تمارس ضد مجموعات معينة سياسية أو اجتماعية أو إثنية، ما جعل هنالك حرب من نوع آخر تدور في التايم لاين السوداني تحركها واجهات وشخصيات محسوبة على النظام البائد، تعمل هذه الواجهات على تصعيد خطاب الكراهية ضد قوى الثورة خاصة وتحرض على الانتقام والثأر منها حال سيطرت منظومة الحركة الإسلامية على مقاليد الحكم.
تصفيات وتهديدات:
خلال الأسبوع الماضي ضجت وسائل التواصل الإجتماعي بتقارير تحدثت عن تصفيات تتم بالخرطوم، تستهدف المتطوعين في غرف الطوارئ و”التكايا” التي تعمل على إطعام المدنيين المحاصرين بمنطقة الحلفايا بالخرطوم، لم يتوقف أنصار النظائم البائد عند هذا الحد، وتواصلت التهديدات العلنية عبر السوشيال ميديا التي تتداول روادها مقطع فيديو يظهر فيه أحد عناصر تنظيم الإخوان الناشطين يدعى “محمد الشكري”، يطلق فيه تهديدات متوعدًا بقتل أي سوداني يطالب بالحكم المدني ويبشر بعودة حكم الإخوان المسلمين الديكتاتوري.
شعارات الثورة تشعل الميديا:
إدانات واسعة صاحبت هذه الخطابات التي تتوعد بتصفية ثورة ديسمبر عبر صفحات الناشطين، وأعادوا نشر الوسوم التي كانت تتردد خلال الحراك الثوري حتى مناهضة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وحذرت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” من هذا الخطاب، ونوهت التنسيقية إلى أن تمدد أنشطة عناصر النظام البائد مستغلة بيئة الحرب التي “أشعلوها ومتسلقة على أكتاف المؤسسة العسكرية التي أحدثوا فيها الخراب من جرّاءِ سنوات حكمهم الثلاثين”. ونبهت إلى أن هذه العناصر تعمل على استخدام الحرب لنشر الإرهاب وتصفية الخصوم وإعلاء خطابات العنصرية والكراهية والتضليل، ومحاربة القوى المدنية الديمقراطية عبر نشر الأكاذيب حولها وفتح البلاغات الكيدية. وتابعت: “كل هذه الأباطيل تأتي لوأد تطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والتي عبر عنها بوضوح في ثورة ديسمبر المجيدة وهذا هو جوهر أهداف هذه الحرب وغاياتها، تؤكد (تقدم) أنها ستظل سداً منيعاً أمام مخططات الفلول، وأن الشعب السوداني سيجهضها لا محالة.
القُوَى المضادة:
بعد الرفض الواسع لخطابه الذي توعد فيه كل من يطالب بالحكم المدني، ظهر الناشط “محمد الشكري” خلال تسجيل آخر يدّعي تحريف ما ذهب إليه، وآخرون محسوبون على ذات التنظيم تبرأوا من “الشكري”. وكتب الناشط “الشريف الحامدابي” على صفحته بفيس بوك “إن كلام الشكري امتداد لكلام كثير يمثّل القُوَى المضادة لثورة ديسمبر المجيدة يحمل كل الأدلة والإثباتات والبراهين التي تثبت حقيقية إشعال الكيزان للحرب الحالية ضد القُوَى السياسية والثورية ومن أجل وأد ثورة ديسمبر المجيدة ووأد أي عمل يصب في صالح تنفيذ مطالبها وأهدافها ومن أجل عودة الكيزان للسلطة من جديد” .
محاولات وأد الثورة:
وحول هذه الظاهرة يقول المحلل السياسي دكتور “عصام علي” لـ”راينو” إن الأهداف الرئيسة للحرب المندلعة منذ منتصف أبريل للعام الماضي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تكمن في محاولة فرض واقع سياسي جديد يتجاوز إرادة الشعب وتطلعاته في إقامة نظام مدني ديمقراطي، يحقق من خلاله أهداف ثورة ديسمبر المجيدة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وتوحيد الجيوش والحركات المسلحة في جيش مهني موحد بعيد عن التسييس، ينأي عن الحكم، ويقوم بواجبه في حماية البلاد والدستور. مضيفًا أن “الأمر الذي يتعارض كليًا مع طموحات تنظيم الإخوان المسلمين ورغبته في العودة إلى السلطة مجدداً، مستخدماً تواجده الكثيف داخل القوات المسلحة والخدمة المدنية، ومحاولة قطع الطريق أمام ثورة الشعب وتطلعاته في نظام حكم مدني”.
العقبة الكؤود:
وقال “علي” : “إن حزب المؤتمر الوطني يعلم أن القُوَى المدنية المتمثلة في الأحزاب السياسية ولجان المقاومة وتنظيمات المجتمع المدني هي العقبة الكؤود أمام تحقيق آماله وتطلعاته، وبالتالي يسعى بكل إمكاناته لضرب عصفورين بحجر. سحق قوات الدعم السريع عسكرياً، أو اقتسام السلطة السياسية معه لاحقاً (في حالة التوصل إلي اتفاق فيما بينهم)، وعزل القُوَى السياسية عن جماهير الشعب من خلال وصفهم بالحاضنة السياسية لقوات الدعم السريع، مستخدماً في ذلك الترسانة الإعلامية الضخمة، والمنصات التي جهزها من قبل بداية الحرب، وصرف عليها ملايين الدولارات لتحقيق ذات الغرض، وتجييش مشاعر الشعب ضدها مما يتيح له التنكيل بها وسحقها متى ما آلت إليه السلطة السياسية بشكل كامل” مشيراً إلى تصاعد الخطاب الإعلامي ضد القُوَى المدنية مع تحقيق أي نصر عسكري في ميدان الحرب، ووصفهم بالعمالة والأرتزاق، وتوعدهم بالسحق والسحل مجرد التخلص من غريمهم الدعم السريع، مما يبرهن النية المبيتة لتنظيم الإخوان المسلمين في استعادة سلطتهم المفقودة بأمر الشعب، وإقامة نظام ديكتاتوري آخر تنصب فيه المشانق، وتفتح فيه بيوت الأشباح.
الجيش هو السبب:
المحلل السياسي والباحث في الشأن السياسي “عمر سفيان سالم” في حديثه لـ”راينو”، إن كل ذلك يتسق مع خطوات الجيش التي يصاحبها إيقاع إعلامي عالي يصور ويضخم ما يحدث على الأرض، واضاف: “كثيرون يتفاءلون بانتصارات الجيش المزعومة ويصورون ذلك باعتباره تحرير من الدعم السريع، والحقيقة المجردة أنهم فقط أناس أدمنوا الاستعباد الذي كان يمارسه الاسلاميون عليهم باستخدام الاجهزة الامنية والعسكرية، وبالتالي فإن مشروع عودتهم للسلطة على كتف الجيش يحول دونه وجود الدعم السريع، والقوى المدنية التي تدرك استراتيجية الدعم السريع في التخلص النهائي من الاسلاميين، وتنقية الجيش واصلاحه، بالتالي فإن الاسلاميين حالياً بدأوا يصدقون كذبتهم في الانتصارات المزعومة، ويكشفون عن نواياهم التي يدعمها الجيش، سواء بسيطرتهم عليه، أو برغبة العسكريين أنفسهم في حكم السودان.