قبل أيام مضت، أدلى الفريق أول بتصريحات وصفها العديد من المتابعين بإنها الحلقة الاخيرة من تمظهرات صراع الرجلين بالجيش السوداني “الكباشي، والعطا”، والذي – بحسب المتابعين – قد يحدث انقساماً كبيراً بالجيش، لجهة أن الكباشي يسيطر على القوة البشرية، وهى الكتلة الاقوى في حسم صراع الجنرالين.
وبدأت بوادر الخلاف بين الجنرالين بعد خطاب ألقاه نائب قائد الجيش أمام حشد من قوات جيش تحرير السودان جناح مناوي، الخميس الماضي بمدينة القضارف، إذ تحدث عن ضرورة “ضبط المقاومة الشعبية”، وحذر من أنها يمكن أن تكون “الخطر القادم على السودان”، كما وجه قادة الوحدات العسكرية المختلفة بضرورة تقنين عملية توزيع الأسلحة، وألا يسمح بحمل السلاح لمن لا يتبعون للقوات المسلحة خارج معسكرات الجيش
الأمر الذي اعتبره العديد من المحللين مؤشراً قوياً على وجود صراع في قيادة الجيش حول الموقف من الحرب والسلام، خصوصا مواقف وتصريحات الكباشي التي تعتبر توجهاً لوقف الحرب عبر التفاوض، وربطوا ذلك بأن الرجل عقب خروجه من الحصار داخل القيادة العامة للجيش أعلن عودة فريقه إلى التفاوض في منبر جدة، إضافة إلى أنه توصل لمشروع اتفاق مع نائب قائد قوات الدعم السريع، في العاصمة البحرينية المنامة، بوساطة رباعية، سعودية أميركية إماراتية مصرية
وقبل أيام، وبينما تشهد ”جنيف” تفاوضاً غير مباشر بين وفدي الجيش والدعم السريع من أجل الوصول إلى هدنة إنسانية تسمح بانسياب المساعدات الإغاثية وحماية المدنيين، خرج العطا في خطاب بمنطقة أمدرمان، قائلاً إنهم لن يهادنوا أو يتفاوضوا مع قوات الدعم السريع، ولو حاربوا لمائة عام. الأمر الذي أشعر جميع السودانيين بالإحباط، في وقت اعتبر فيه محللين سياسيين، انها تصريحات جاءت بعد ان وصل الصراع بين الرجلين لذروته، وما عاد في إمكان المسكنات ان تحتويه.
ومنذ تفجر الحرب في 15 أبريل سيطرت قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من السودان، واستولت على مناطق عسكرية استراتيجية في مختلف أنحاء البلاد، كان آخرها الاستيلاء على أجزاء من ولاية سنار في وسط البلاد، بما فيها مدينة سنجة عاصمة الولاية، في حين اقتصر وجود الجيش في عدد من ولايات البلاد داخل حامياته العسكرية التي تتعرّض لهجمات مستمرة من الدعم السريع.
تجديد المنقار:
الأستاذ والخبير الإعلامي “موسي جودة”، مدير “المركز السوداني للإعلام الديمقراطي”، وصف الصراع بإنه بين مراكز قوي داخل الجيش، والأجهزة الأمنية والشرطية، نتيجة طبيعية للاختلاف في وجهات النظر حول أدارة البلاد، فيما عرف بعملية “تجديد المنقار”، والاستمرار بوجوه مدنية عسكرية جديده. مما أثر في تماسك المركز السياسي والامني داخل بنية النظام، وأضاف:(الصراع داخل المؤسسة العسكرية والأمنية قديم منذ أيام البشير، ما قبل 2019، حيث كان هناك تيار “مجموعة نافع”، وتيار “علي عثمان”، وآخرين، وكان هناك صراع حول من يخلف نظام الجنرال عمر البشير، نشط كل تيار لاستقطاب أنصار له داخل المؤسسة الامنية، بعد ان عجزوا عن بناء تنظيم مدني شعبي يقود البلاد عبر صندوق الانتخابات. والواقع يقول إنه امتداد لسلسال الاطماع بين التيارات الامنية، والمدنية في العودة الي السلطة، فيما عرف بـ”الانتقال المتحكم فيه ” ما بعد تغيير ديسمبر 2019 – عندما فشلوا في سيناريو الانتخابات المبكرة، أتجهوا نحو خيار الحرب).
الواقع الآن:
ويقول “جودة” أن ما بعد حرب ابريل “2023”، وحصار القيادات العسكرية داخل القواعد، أصبحت قيادة الجيش “أرخبيلاً” من الجزر المعزولة، وأصحبت إدارة الحرب مع قوات الدعم السريع تقديرات خاصة لكل قائد، وحينها ظهر الجنرال “العطا” قائد لمنطقة أمدرمان العسكرية، ليحدد تاريخ انهاء الحرب بالانتصار الكاسح علي قوات الدعم السريع خلال “اسبوعين “، كما خرج الجنرال الكباشي من القيادة العامة “حسب علمي” بالاتفاق بين طرفي الحرب الجيش والدعم السريع بهدف الشروع في مفاوضات وقف إطلاق النار الشامل ، ولكن خرج الكباشي، وقام بزيارات الي الوحدات العسكرية يهاجم قوات الدعم السريع، ويصفها بـ”المتمردة”، ويتوعدها بالهزيمة الكاسحة، فيما يجري حواراً سرياً في منبر “الدوحة”، ويوقع علي “22” بنداً لمعالجة أسباب الحرب، ويتراجع عنها بعد هاتف من قيادته .
مصادر قوة الجنرالان:
ويرى مدير المركز السوداني للإعلام أن الجنرال “كباشي”، في “الاقدمية ” العسكرية أعلي رتبة من العطا، يتمتع بقوة بالتأكيد داخل الجيش، وله ميزات منها قوة حضور أثنيته داخل الجيش، وهو خلل بنيوي لازم المؤسسة العسكرية. أما الجنرال العطا، فمصدر قوته هو اجتماع قرية “جلاس” شمال البلاد في العام الماضي “2023”، الذي حدد استراتيجية الحرب وقيادة “علي كرتي” للمشهد العسكري والسياسي وادارة الحرب على ثلاث مسارات، الأول هو “عدم الغياب من أي منبر تفاوضي، وقبول أي مبادرة مع رفض التوقيع”، والثاني استجلاب طائرات “درون” من اذربيجان وتركيا وإيران، لإحداث تفوق جوي في المعركة. أما المسار الثالث فهو تجنيد عدد (150) ألف مستنفر لإحداث توازن في المشاة، وبالتالي يحققون نصراً محدوداً، على قوات الدعم السريع، وإحداث انقسام داخلها، ثم العودة الي منبر جدة.
انقسام الجيش بات وشيكاً:
من جانبه يرى الباحث في الشؤون العسكرية “محمود على فضال”، إن ما يحدث داخل المؤسسة العسكرية هو صراع سيطرة ونفوذ، قد يقود إلى انقسام بداخل الجيش لانعدام العقيدة العسكرية وغياب التراتبية بين القادة والجنود، الأمر الذي يفسر سقوط العديد من الحاميات والفرق العسكري.
وأرجع “فضال” أزمة الجيش لخلل بنيوي صاحب مسيرة القوات المسلحة منذ تأسيسها، حيث فشل القادة العسكريون في تطوير المؤسسة على نحو يجعلها تبتعد عن ممارسة السياسة، وتلتزم بحماية الدستور والنظام الديمقراطي، وأضاف:(إن العبث الذي أدخله الاسلاميين على المؤسسة العسكرية، جعلها فاشلة في حماية البلاد من الأعداء. والحرب الحالية كشفت العيوب العسكرية التي يعاني منها الجيش، رغم امكانياته المادية والبشرية).