السودان

الكذبُ كمنهجٌ: كيفَ يُتقِنُ الكيزانُ إنكارَ الحقائقِ الواضحة؟

بقلم: حسن عبد الرضي الشيخ

منذ اندلاعِ الحربِ الكارثيّةِ في السودان في أبريل ٢٠٢٣، برز تيّار “الكيزان الجدد” أو ما يُعرَف بين السودانيين بـ”بورتوكيزان” كقوّةٍ دعائيّةٍ لا تقلُّ خطورةً عن القوّةِ العسكريّةِ على الأرض. هؤلاءِ لا يخجلون من قلبِ الحقائقِ، ولا يتورّعون عن تزويرِ الواقعِ، بل جعلوا من الكذبِ وسيلتَهم الوحيدةَ لتبريرِ المأساةِ الوطنيّةِ المستمرّةِ. الكذبُ بالنسبةِ لهم ليس طارئًا، بل هو عقيدةٌ سياسيّةٌ ووسيلةُ بقاءٍ في وجهِ السقوطِ الحتميِّ.

الكذبةُ الأولى: “قحت هي من أشعلت الحرب”

يردِّدُ الكيزانُ أن قوى الحريّةِ والتغييرِ (قحت) هي التي تسبّبت في الحربِ بين الجيشِ والدعمِ السريعِ، متجاهلين أن الصراعَ المسلّحَ اندلع بين جنرالَين كانا شريكين في انقلابِ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. قحت كانت مبعَدةً تمامًا عن السلطةِ وقتَ اندلاعِ الحرب، بل كانت تدعو لحوارٍ مدنيٍّ – مدنيٍّ، وتحذّرُ من عسكرةِ الدولةِ واحتكارِ السلاحِ. هذا الإنكارُ هدفُه تبرئةُ العسكرِ – خاصّةً قادة الجيشِ ذوي الخلفيّةِ الإسلاميّةِ – من مسؤوليّتهم المباشرةِ عن إشعالِ الحربِ.

الكذبةُ الثانية: “قحت هي الجناحُ السياسيُّ للدعمِ السريع”

هذهِ فِريةٌ مكشوفةٌ يروّجُ لها الكيزانُ لحرقِ أيِّ مسعىً مدنيٍّ للسلامِ أو الانتقالِ الديمقراطيِّ. الواقعُ أن الدعمَ السريعَ نشأ برعايةِ الكيزانِ أنفسهم، وكان حميدتي يُستخدَمُ لقمعِ المتظاهرين في ديسمبر ٢٠١٨ وما بعدها، بتنسيقٍ تامٍّ مع جهازِ الأمنِ والمخابراتِ وقادةِ الجيشِ الكيزانيِّ. بل إن جهازَ الأمنِ بقيادةِ صلاح قوش هو من احتضنَ هذهِ الميليشيا في بداياتِها، وسلّحَها، ومكّنَها لتكون أداةً موازيةً للجيشِ تُستَخدَم عند الحاجةِ لقمعِ الثورةِ.

الكذبةُ الثالثة: “الحكومةُ المدنيّةُ هي التي أتت بحميدتي”

يردِّد الكيزانُ هذهِ الجملةَ لتشويهِ الثورةِ وتحميلِها وزرَ خلقِ الميليشياتِ، متناسين أن حميدتي صعدَ من داخلِ المنظومةِ الكيزانيّةِ، بدعمٍ مباشرٍ من علي عثمان محمد طه، وشاركَ في جرائمِ دارفور وكردفان وجبالِ النوبة. أما الحكومةُ المدنيّةُ، فكانت رهينةً لشراكةٍ مفروضةٍ بالسلاحِ مع العسكرِ، وكانت تعملُ على دمجِ الميليشياتِ وهيكلةِ القواتِ النظاميّةِ، وهو ما أثارَ فزعَ قادةِ الجيشِ ودفعَهم إلى الانقلابِ. والبرهانُ نفسُهُ صرّحَ بأنّه هو من أصرَّ على إشراكِ دقلو في السلطةِ، وأنه “لن يأتيَ” بدونِه. بل وأقسمَ أكثرَ من مرةٍ أن “الدعمَ السريعَ من رحمِ الجيشِ”.

الكذبةُ الرابعة: “الثورة فشلت لأنها بلا قيادة”

يردّد الكيزانُ أن الثورةَ فشلت لأنّها بلا قيادةٍ، بينما الحقيقةُ أنّهم لم يتركوا قيادةً مدنيّةً إلا وشيطنوها أو اغتالوها معنويًّا أو حتّى جسديًّا. وعملوا عبر أذرعهم الإعلاميّةِ على بثِّ الفوضى وزرعِ الشكِّ في صفوفِ الثوّارِ. فشلُ الثورةِ – جزئيًّا – جاء بفعلِ تخريبهم المستمرِّ، لا بأيِّ أسبابٍ أُخرى.

الكذبةُ الخامسة: “الجيشُ لا ينتهك، بل يحمي!”

حين توثّقُ المنظّماتُ الدوليّةُ جرائمَ اغتصابٍ وقصفِ مدنيين ونهبِ قوافلَ طبيّةٍ في دارفور وجنوبِ الخرطومِ، يخرجُ أحدُ الكيزانِ ليقولَ: “الجيشُ لا ينتهكُ، بل يحمي!”. كأنّ الصورَ والفيديوهاتِ وشهاداتِ الضحايا تقاريرُ ملفّقةٌ! الإنكارُ لديهم لا يعرفُ حدودًا، وهو دفاعٌ أعمى عن مؤسّسةٍ عسكريّةٍ تحوّلت إلى أداةٍ لتصفيةِ الحساباتِ السياسيّةِ.

الكذبةُ السادسة: “لا توجد مجاعة، ولا انهيار صحي”

في وجهِ الكارثةِ الإنسانيّةِ التي تضربُ البلادَ، يصرُّ الكيزانُ على الإنكارِ. فحين تتحدّثُ الأممُ المتّحدةُ عن مجاعةٍ في دارفور والنيلِ الأزرقِ وجنوبِ الخرطومِ، يردُّون: “لا توجد مجاعةٌ”. وحين تنهارُ المستشفياتُ وتنتشرُ الكوليرا، وتصرخُ الأمهاتُ: “أنقذونا!”، يردُّون ببرودٍ: “البلادُ بخير”. بل وبعضُهم يروِّجُ أنّ ما يحدثُ هو مجرّد “مؤامرةٍ خارجيّةٍ” لتشويهِ صورةِ الجيشِ! وأكثرُ ما آلمني تصريحٌ لمسؤولٍ في تلفزيون السودان الرسمي يدعو فيه المواطنين إلى استخدامِ المياهِ النظيفةِ، وكأنّ المواطنينَ يتعمّدونَ استخدامَ المياهِ غيرِ النقيّةِ، رغمَ غيابِ البدائلِ.

لماذا يكذبُ الكيزانُ؟

السببُ الجوهريُّ لهذا الإنكارِ المرضيِّ هو أنّ الاعترافَ بالحقيقةِ يعني الاعترافَ بالهزيمةِ الأخلاقيّةِ والسياسيّةِ. الكيزانُ يعلمون أن مشروعَهم سقطَ، وأنّ الشعبَ لفظَهم، وأنّهم فقدوا أيَّ تعاطفٍ أو شرعيّةٍ. لذا هم يحاربونَ الحقيقةَ كما يحاربونَ الديمقراطيّةَ: بالكذبِ، بالتشويهِ، بالتزويرِ، وبخلقِ رواياتٍ بديلةٍ يستميتونَ في فرضِها على الوعيِ الجمعيِّ.

الإنكارُ هو الحبلُ الأخيرُ الذي يتمسّكونَ به، وهم يعلمونَ أن سقوطَ خطابِهم يعني سقوطَهم النهائيّ.

في الختام
نحن لا نواجهُ فقط حربًا بالسلاحِ، بل حربًا بالمعلومةِ والكلمةِ. ومواجهةُ الكيزانِ لا تتمُّ فقط في الميدانِ، بل في فضاءِ الحقيقةِ. علينا أن نكرّرَ الحقائقَ، نُثبّتَها، نُوثّقَها، ونُفحمَ بها كلَّ من يحاولُ طمسَها. فالحقيقةُ وحدَها، وإن تأخّرت، قادرةٌ على تحطيمِ ماكينةِ الكذبِ الكيزانيّةِ التي بُنيت على باطلٍ، ولن تصمدَ أمامَ شمسِ الواقعِ.

وهذا ما يجعلنا نُدأبُ ونكدُّ في فضحِ الجماعةِ الكاذبةِ، ونمنعُها من استغلالِ وسائطِ الإعلامِ. ليموتوا كمدًا، وليحينَ وقتُ الاقتلاعِ “الحارِّ” من الجذورِ، لا بالتفاوضِ، بل بالمحاسبةِ والمواجهةِ حتى آخرِ رمقٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار