في ظل استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، سجلت أسعار العملات الأجنبية اليوم الثلاثاء استقراراً لافتاً عند أعلى مستوياتها التاريخية مقابل الجنيه السوداني في السوق الموازي، بعد موجة ارتفاعات حادة خلال الأسابيع الماضية. هذا الاستقرار، وإن بدا ظاهرياً مؤشراً على توازن مؤقت، إلا أنه يعكس في جوهره حالة من الجمود النقدي عند ذروة الانهيار، وسط مؤشرات اقتصادية قاتمة تنذر بمزيد من التدهور في حال استمرار النزاع العسكري دون تسوية.
وفقاً لبيانات تداول العملات المنشورة عبر موقع “أخبار السودان”، بلغ سعر بيع الدولار الأمريكي اليوم 3580 جنيهاً، مقارنة بسعر 560 جنيهاً ليلة اندلاع الحرب، ما يمثل زيادة بنسبة 539% خلال 29 شهراً فقط. هذا الارتفاع القياسي يعكس حجم الانهيار الذي تعرض له الجنيه السوداني، ويضعه ضمن قائمة أكثر العملات تراجعاً في العالم خلال الفترة ذاتها، بحسب مؤشرات التضخم والانكماش النقدي التي ترصدها بلومبرغ ومؤسسة “Trading Economics”.
العملات الخليجية سجلت بدورها مستويات غير مسبوقة، حيث بلغ سعر بيع الدرهم الإماراتي 975.47 جنيهاً، والريال السعودي 954.66 جنيهاً، فيما تجاوز الريال القطري حاجز 983 جنيهاً. أما الجنيه المصري، فسجل 74.32 جنيهاً، واليورو 4211.76 جنيهاً، والجنيه الإسترليني 4837.83 جنيهاً، في حين بلغ الدينار الكويتي 11290.32 جنيهاً، والريال العماني 9250 جنيهاً، والدينار البحريني 9210.52 جنيهاً. هذه الأرقام تعكس حالة من الانفصال الكامل بين السوق الموازي وسعر الصرف الرسمي، الذي بات غير ذي جدوى في ظل غياب أدوات التدخل النقدي الفعّالة.
الطلب المتزايد على الدولار في السوق السوداني، مدفوعاً بانهيار الثقة في العملة المحلية، ونقص احتياطي النقد الأجنبي، وتهريب الأموال إلى الخارج، ساهم في ترسيخ هذا المستوى القياسي. كما أن تراجع الصادرات السودانية، لا سيما في قطاعات الزراعة والمواشي والتعدين، أدى إلى انخفاض حاد في الدخل القومي، في وقت ارتفعت فيه الواردات بشكل غير متوازن، ما فاقم العجز في الميزان التجاري.
التقارير الاقتصادية الدولية، ومنها ما نشرته “رويترز” و”فايننشال تايمز” خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تشير إلى أن الحكومة السودانية خصصت نسبة كبيرة من ميزانيتها لدعم العمليات العسكرية واستيراد الوقود، ما أدى إلى تقليص الإنفاق على القطاعات الإنتاجية والخدمية، وزيادة الضغط على المالية العامة. هذا التوجه، بحسب محللين في “CNBC”، ساهم في تآكل قدرة الدولة على ضبط السوق النقدي، وأدى إلى تراجع الإيرادات الضريبية والجمركية، ووقف تحويلات المغتربين، التي كانت تمثل أحد مصادر الدعم المستقرة للاقتصاد السوداني.
في ظل هذه المعطيات، حذر خبراء الاقتصاد من أن الجنيه السوداني قد يتجاوز حاجز 5000 جنيهاً للدولار الواحد خلال العام المقبل، إذا لم يتم التوصل إلى وقف شامل للحرب، وإعادة هيكلة النظام المالي، واستعادة الثقة في المؤسسات الاقتصادية. كما أن استمرار التضخم، وتآكل القوة الشرائية، وتصاعد معدلات الفقر، باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتضع البلاد أمام سيناريوهات أكثر قتامة، وفقاً لتقديرات “Bloomberg Economics”.
الواقع الحالي لا يعكس استقراراً نقدياً بقدر ما يعكس تجميداً عند نقطة انهيار، حيث باتت الأسعار المرتفعة هي القاعدة الجديدة، في ظل غياب أي مؤشرات على التعافي أو تدخلات نقدية فعالة. وإذا استمرت الحرب دون تسوية، فإن الاقتصاد السوداني قد يدخل مرحلة من الانكماش الهيكلي يصعب الخروج منها، ما لم يتم تفعيل أدوات الإصلاح المالي، وإعادة بناء الثقة في العملة الوطنية، وتوفير بيئة آمنة للإنتاج والاستثمار.