أزمة السودان المستمرة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م دخلت منعطفًا دوليًا ومحليًا بالغ الحساسية عقب القرار الأميركي بتصنيف الحركة الإسلامية كجماعة وشخصيات ضمن قوائم العقوبات والرقابة وتوصيفهم كإرهابيين. فالقرار لم يمر كإجراء تقني في سجلات السياسة الخارجية الأميركية، بل تحوّل سريعًا إلى حدث سياسي داخلي أعاد ترتيب مشهد الصراع والتحالفات داخل السودان. فبينما استقبلته قطاعات واسعة من القوى المدنية والنشطاء بقدر كبير من الترحيب والاحتفاء، باعتباره خطوة طال انتظارها لعزل شبكات النظام السابق، أثار القرار في المقابل قلقًا متزايدًا داخل الدوائر المرتبطة بالإسلاميين، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة المعقدة بين الجيش السوداني وهذه الجماعات في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
دلالات الاحتفاء:
لم يكن الاحتفاء الذي رافق القرار الأميركي مجرد رد فعل سياسي تقليدي، بل بدا وكأنه انعكاس لتراكم طويل من الإحباط داخل الأوساط المدنية التي ظلت تتهم بقايا نظام المؤتمر الوطني المحلول بإدارة جزء كبير من المشهد العسكري والسياسي من وراء الستار منذ فض اعتصام الثوار في 3 يونيو 2019م، مرورًا بالانقلاب، وصولًا للحرب المستمرة حاليًا، وإفشال كل مساعي التحول المدني الديمقراطي أو مبادرات وقف الحرب. ففي العديد من المنصات المدنية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، اعتبر ناشطون وسياسيون أن القرار يمثل بداية لمرحلة جديدة من الضغط الدولي الجاد على شبكات الإسلاميين وحلفائهم العسكريين، الذين يعدون سبب كل سوء في البلاد.
على الأرض تعكس الشواهد هذا المزاج بوضوح، ففي الخرطوم ومدن أخرى خرجت بيانات من لجان مقاومة وتنظيمات مدنية ترحب بالخطوة الأميركية وتطالب بمزيد من الإجراءات الدولية لملاحقة الشبكات المالية والسياسية المرتبطة بالإسلاميين. كما شهدت بعض المنصات الإعلامية المحلية نقاشات واسعة حول تأثير القرار على قدرة هذه الجماعات على تحريك الموارد والتمويل، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة لها بالاعتماد على شبكات اقتصادية واسعة تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم النظام السابق.
بارقة أمل:
ويرى عضو لجنة إزالة التمكين سابقًا إيهاب الطيب في حديثه لـ”راينو”، إن حالة الفرح الواسعة التي أعقبت القرارات الأخيرة ليست مجرد احتفال بإجراءات عقابية في حد ذاتها، بل هي تعبير عميق عن “بارقة أمل” في عزل تنظيم “الإخوان” وتفكيك سطوتهم. وأضاف: “هذا العزل يُنظر إليه بوصفه المفتاح الحقيقي لغلق أبواب العنف وحقن الدماء، وإنهاء مأساة الحرب التي كانت سببًا مباشرًا في تشريد السودانيين، وتفتيت شملهم بين نازح في الداخل ولاجئ في الخارج، ومطارد سياسيًا في أصقاع الأرض”.
وشدد إيهاب على أن الهدف الأسمى هو تحريك جمود العملية السياسية وإقرار سلام مستدام يعيد للوطن هيبته.
من جانبه يرى القيادي بتحالف تأسيس مولانا سيف الدين عيسى في حديثه لـ”راينو” أن حالة الاحتفاء الواسع بقرار واشنطن تصنيف “الحركة الإسلامية السودانية” كمنظمة إرهابية عالمية ليست مجرد رد فعل على قرار قانوني دولي، بل هي انعكاس لسنوات من التراكمات السياسية والاجتماعية.
معتبرًا أن أولى أسباب الاحتفاء هو ما يراه قطاع واسع من السودانيين أن “الحركة الإسلامية” كانت هي المحرك الأساسي لاندلاع حرب 15 أبريل، بهدف العودة إلى السلطة وقطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي. وأضاف: بالنسبة للكثيرين، هذا القرار يمثل “إدانة دولية” للإسلاميين وتفكيك نسيجها الاجتماعي. مشيرًا في ثاني الأسباب إلى أن القرار يمثل تصديًا لـ”كتائب الظل” والمجموعات المسلحة، حيث جاء القرار متزامنًا مع اتهامات وجهتها واشنطن لكتائب مرتبطة بالحركة والجيش مثل “البراء بن مالك”، بارتكاب انتهاكات جسيمة وإعدامات ميدانية.
وتابع: “الاحتفاء ينبع من أن يؤدي التصنيف إلى تجفيف منابع الإرهاب والتمويل وشل القدرات المالية التي تغذي الحركات الإرهابية، فضلًا عن تحقيق نوع من العزل السياسي، كمنع عناصر النظام السابق من الانخراط في أي عملية سياسية مستقبلية تحت غطاء “المقاومة الشعبية” أو دعم الجيش”.
ويعدد سيف سببه الثالث في كون القرار “رد اعتبار” لضحايا النظام السابق، مشيرًا إلى أن القوى المدنية والثورية وضحايا ثورة ديسمبر 2018م تعتبر أن هذا التصنيف هو اعتراف دولي ـ رغم أنه متأخر ـ بالجرائم التي ارتكبها نظام “الإخوان” على مدار 30 عامًا (منذ انقلاب 1989)، مما يقطع الطريق أو يضع حدًا لمحاولات الحركة “غسل سمعتها” عبر بوابة الحرب الحالية.
رابع أسباب الاحتفاء بحسب عيسى تبرز في كسر نفوذ “الدولة العميقة”، إذ إن الحركة الإسلامية ما تزال تسيطر على مفاصل القرار داخل مؤسسات الدولة والجيش. وأضاف: الاحتفاء بالقرار يعبر عن تطلع السودانيين إلى أن تجبر الضغوط الدولية القيادة العسكرية على فك الارتباط مع “الإسلاميين”، مما قد يفتح بابًا لمفاوضات سلام حقيقية بعيدًا عن الأجندات الأيديولوجية.
محاصرة وتقييد:
ويرى كثير من المراقبين أن أحد أهم أبعاد القرار الأميركي يتمثل في محاصرة خطوط الإمداد المالي والسياسي للإسلاميين، فالعقوبات الأميركية عادة ما تتجاوز مجرد التجميد المباشر للأصول داخل الولايات المتحدة لتشمل عمليًا تضييق الخناق على أي تعاملات مصرفية أو تجارية عبر النظام المالي الدولي، وهو ما يعني أن الشركات والأفراد المرتبطين بهذه الشبكات قد يجدون أنفسهم معزولين عن كثير من قنوات التمويل والتحويلات الخارجية. وفي بلد يعيش أزمة اقتصادية حادة وانهيارًا واسعًا في البنية المالية، فإن مثل هذا التضييق يمكن أن يترك أثرًا ملموسًا على قدرة هذه الجماعات على تمويل أنشطتها أو الحفاظ على نفوذها الاقتصادي.
التأثير الأخطر:
ويرى مصدر عسكري متقاعد برتبة رفيعة في حديثه لـ”راينو” أن التأثير الأكثر حساسية للقرار قد لا يكون في المجال المالي بقدر ما يبرز في ميدان السياسة العسكرية، وتحديدًا في العلاقة المعقدة بين الجيش السوداني وبعض المجموعات الإسلامية المسلحة التي برز دورها منذ اندلاع الحرب. وقال: “منذ الأشهر الأولى للصراع ظهرت على الأرض تشكيلات مسلحة مرتبطة بالإسلاميين مثل مجموعات “المستنفرين” وكتائب “البراء بن مالك”، التي شاركت في القتال إلى جانب الجيش في عدة جبهات، خاصة في معارك الخرطوم وأم درمان وأجزاء من ولايات الوسط والشمال”.
وكشف المصدر العسكري الرفيع أن هذا التعاون يشبه “تحالف الضرورة” بين المؤسسة العسكرية وهذه المجموعات، حيث احتاج الجيش إلى تعبئة بشرية سريعة لتعويض خسائره البشرية واللوجستية، بينما رأت الجماعات الإسلامية في الحرب فرصة للعودة إلى الساحة السياسية والعسكرية بعد سنوات من التراجع عقب سقوط نظام البشير. واستدرك: لكن هذا التحالف ظل هشًا بطبيعته، إذ يقوم على تقاطع مصالح مؤقتة أكثر من كونه مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد.
واعتبر المصدر العسكري أن القرار الأميركي الأخير أعاد تسليط الضوء على هذا التناقض الكامن، موضحًا بأن قيادة الجيش تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة؛ فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقات مع المجتمع الدولي، خاصة في ظل حاجتها إلى دعم سياسي واقتصادي لإعادة إعمار البلاد بعد الحرب، ومن جهة أخرى فإن فك الارتباط الكامل مع المجموعات الإسلامية التي تقاتل إلى جانبها قد يفتح جبهة توتر داخلية خطيرة في لحظة عسكرية حساسة.
وطبقًا لمتابعات “راينو”، فإن بعض الشواهد الميدانية تؤشر إلى أن هذا التوتر بدأ يظهر بالفعل في شكل نقاشات داخلية غير معلنة حول مستقبل هذه التشكيلات. ففي بعض المناطق العسكرية جرى الحديث عن محاولات لإعادة تنظيم قوات “المستنفرين” ودمجها بشكل أكثر انضباطًا داخل هياكل الجيش، وهو ما يفسره مراقبون على أنه محاولة للحد من استقلالية هذه المجموعات وتقليل حساسيتها السياسية في مواجهة الضغوط الدولية.
ويرى المصدر العسكري أن العديد من الخطوات ربما لا تمر بسهولة، وقال: “داخل المؤسسة العسكرية نفسها توجد شخصيات وضباط يُعتقد أنهم قريبون من التيار الإسلامي، أو على الأقل لا يرون في التعاون معه مشكلة استراتيجية في ظل الحرب، وبالتالي فإن وجود هؤلاء داخل رتب وسيطة وعليا قد يجعل أي محاولة لإبعاد الإسلاميين أو تقليص دورهم سببًا في توترات داخلية، وربما في صراعات صامتة داخل مراكز القرار العسكري”.
كيف سيتعامل البرهان؟
الإسلاميون ـ بمكرهم وجبنهم التاريخي كما يصفهم السودانيون ـ يتجنبون الدخول في مواجهة مباشرة مع قيادة الجيش، بل يحرص قياداتهم، بما في ذلك علي كرتي وعلي عثمان، على تأكيد ولاء الحركة الإسلامية للجيش، سواء إبان حكمهم أو عقب سقوط نظامهم أو حاليًا خلال الحرب. لكنهم ـ بحسب الكثيرين ـ يضمرون شرًا للجيش حال سعى للتخلص منهم أو فك ارتباطهم به، وهو ما يغذي بدوره سيناريوهات متعددة للصدام المحتمل بين الطرفين.
ويرى المصدر العسكري أن أحد هذه السيناريوهات يتمثل في صراع بارد داخل مراكز القوى، حيث قد تظهر انقسامات داخل الجيش نفسه إذا صدرت قرارات بإبعاد ضباط أو قيادات يُشتبه في ارتباطهم بالإسلاميين. مثل هذا السيناريو قد لا يظهر في شكل مواجهة مباشرة، لكنه قد يضعف تماسك المؤسسة العسكرية ويزيد من تعقيد إدارة الحرب.
وشدد المصدر على أن السيناريو الآخر هو الأكثر خطورة، وقال: “يتمثل في احتمال تحرك بعض المجموعات المسلحة الإسلامية بشكل مستقل إذا شعرت بأن الجيش يتجه إلى تسوية سياسية قد تهمشها. في مثل هذه الحالة قد تتحول هذه التشكيلات إلى فاعل عسكري منفصل، أو تدخل في مواجهات محدودة مع وحدات من الجيش في مناطق النفوذ المختلطة، خاصة في العاصمة ومحيطها”.
من جانبه يرى إيهاب أن البرهان سيعمل خلال المرحلة القادمة على استراتيجية “الخلخلة والإضعاف” الممنهج لهذا التيار. وقال: “الحقيقة التي يجب إدراكها هي أن التحالف القائم بينهم ليس تحالفًا مبدئيًا، بل هو “تحالف مصالح” مؤقت، حيث يضمر كل طرف نية التضحية بالآخر عند أول مفترق طرق، وهو صراع يحتدم الآن “تحت الرماد” وبصورة خفية”.
مشيرًا إلى أن الانفجار الوشيك بين الطرفين قد يحدث في أي لحظة تتغير فيها حسابات القوة على الأرض. واستدرك: “لكن المرجح أن يعمل البرهان على “ضعضعة” نفوذهم وإضعاف شوكتهم تدريجيًا، وهي مهمة ليست بالسهلة وتتطلب وقتًا طويلًا نظرًا لـ”تغلغلهم” العميق في مفاصل الدولة. وهذا المسار يحتاج بالضرورة إلى دعم خارجي (كالذي يوفره التصنيف الأخير) وتوفر قوى سياسية وطنية قادرة على ملء الفراغ، لتكون سندًا حقيقيًا في عملية التحول نحو الدولة المدنية”.
قراءة معقدة:
بينما يذهب مولانا سيف إلى أن الإجابة على تساؤل ماذا يمكن أن يحدث بين الجيش والبرهان والإسلاميين تعتمد على قراءة معقدة لتركيبة القوة في السودان، وما إذا كان “التصنيف” (سواء كان يقصد به تصنيف جماعات بعينها كإرهابية أو تصنيف الصراع دوليًا) سيعمل كأداة ضغط أم كوقود للمواجهة.
ويرى أن البعض يعتبر أن أي تصنيف دولي يستهدف “الإسلاميين” داخل الجيش أو كجماعات مستقلة قد يؤدي إلى عزل الجيش دوليًا؛ أي إن تصنيف المكونات الإسلامية المتحالفة مع الجيش سيحرم المؤسسة العسكرية من الشرعية الدولية ويقطع عنها خطوط الإمداد أو الدعم السياسي. ومن ثم سيقود ذلك إلى إضعاف الحاضنة السياسية، مما قد يدفع هذا التصنيف “الكتلة المدنية” والوسطية داخل المؤسسة العسكرية لمحاولة النأي بنفسها عن هذه المجموعات لتجنب العقوبات، وهو ما قد يؤدي إلى خلخلة التحالف الحالي. فضلًا عن أنه سيقود إلى تغيير “قواعد الاشتباك”، أي قد تجد القوى الداعمة للإرهاب صعوبة في الاستمرار في دعم جيش يضم عناصر مصنفة دوليًا، مما يميل الكفة لصالحنا أو يعيد الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
واعتبر سيف أنه في المقابل هناك مؤشرات ترجح أن التصنيف قد يؤدي إلى التصلب أو تبني عقيدة “معركة الوجود”، وقال: “الإسلاميون داخل الجيش وخارجه يرون أن المعركة الحالية بالنسبة لهم معركة خاسرة”. وشدد القيادي في تحالف تأسيس على أن البرهان لا يستطيع التخلص من الإسلاميين داخل الجيش لأنه لا يملك السيطرة الكاملة، وهو ضعيف جدًا وليس لديه أي برنامج سوى الاستعانة بالإسلاميين، وإلا تعرضت حياته للخطر أو الاغتيال.