السودان

تحليل خطاب قائد الدعم السريع .. القاهرة في سياق الأزمة

الخرطوم: راينو

لم ينته قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو من خطابه، إلا واشتعلت وسائط التواصل الاجتماعي متزامنة في نشاطها مع الغرف الإعلامية لفلول النظام البائد ومن والاهم من فئة البلابسة، تحليلاً و”ضرباً لأخماس في أسداس”. وفي الوقت الذي ركز فيه الفلول والمنصات الداعمة للحرب والجيش على تصوير الخطاب باعتباره خطاباً حزيناً ويتضمن إقراراً بالهزيمة، إلا أن تحليلات أخرى وصفت الخطاب بأنه عبارة عن جرد حساب لمرحلة مضت، وأنه يأذن بإنطلاق مرحلة جديدة في طبيعة الصراع السوداني.

أدوات ووسائل:

بيد أن أسس التحليل العلمي لأي خطاب يستند بالاساس من تعريف صاحب الخطاب، وهو في هذا السياق أحد الشخصيات العامة سواءً دوره خلال السنوات الماضية، أو كونه طرفاً أساسياً في مشهد الحرب الماثل، ومن ثم فإن خطابات الشخصيات العامة غالباً ما تحظى بانتباه كبير، وتثير اهتمام المجتمع. خصوصاً في أوقات الأزمات، بالتالي فإن ارتفاع نسبة المشاهدات وتزايد التعليقات وكثافة التحليلات، تتسق مع كينونة صاحب الخطاب.

عموماً فإن اساسيات تحليل الخطاب السياسي، تبدأ من معرفة السياق الذي جاء فيه الخطاب، ثم تقييم المحتوى السياسي للخطاب، بالاضافة الى اللغة والألفاظ المستخدمة في خطاب حميدتي الأخير لفهم الإيحاءات والرموز المستخدمة في الخطاب، واخيراً قراءة تفاعل الجمهور مع هذا الخطاب، وهي بحسب المحللين معايير الحد الأدنى للتحليل الحصيف والراشد.

لماذا مصر؟

تفجير حميدتي لقنبلة دعم مصر للجيش في الحرب، اثار الكثيف من علامات الاستفهام بدءاً بصمته طيلة الفترة الماضية، وصولا لما يمكن ان يحدث؟

وفي الوقت الذي سارعت فيه القاهرة لنفي ضلوعها في هجمات لصالح الجيش، كان الهمس في الشارع السوداني يتعالى حول أهداف مصر التاريخية من السودان.

 وتداولت المنصات خبراً منسوباً لقناة فوكس نيوز الامريكية أكدت فيه القناة أن الطيران المصري استهدف أهدافاً في السودان وفق ما رصدته حركة الأقمار الصناعية الأمريكية الأسبوع الماضي، وبعدها تبنى الجيش السودان العملية المصرية، وقال أنه ضرب أهدافاً لقوات الدعم السريع في مناطق متعددة. وأبانت القناة أن الأقمار الصناعية رصدت هذه الطائرات وهي تقلع من ألماظة، ومن الإسماعيلية، ومن السويس.

فيما استدعى البعض تصريحات حميدتي وما تناقلته التحليلات في بواكير حرب 15 أبريل من أن توجه قواته نحو مروي بهدف تخوفه من الطيران المصري المرابض هناك من توجيه ضربات لقواته، فضلا عن ما تداول أنذاك عن إعتقال الدعم  لعدد من الطيارين المصريين في مروي وتسليمهم لسفارة بلادهم سالمين بهدف اجلائهم من السودان.. كل ذلك فتح الباب أمام تصديق اتهام حميدتي بضلوع القاهرة فعليا في الحرب لصالح الجيش.

إعلان الاتهام في هذا التوقيت، فضلاً عن سرعة نفي الخارجية المصرية وتوصيفها لقوات حميدتي بالمليشيا، أعرب ضمنياً عن الموقف المصري الرسمي، واكد المحلل السياسي “عمر سفيان سالم” في حديثه لـ”راينو” أن القاهرة لن تمرر هذا الاتهام، خصوصاً وأن ذلك يحرجها امام العديد من الدول، بما في ذلك أمريكا التي حذرت مراراً وتكراراً من عدم التدخل في الصراع السوداني، أو دعم طرف من اطرافه، وهو ما تترجم حرفياً بضم الإمارات ومصر الى منبر جدة القادم، وفق تصريحات المبعوث الخاص، مما يؤكد اتهامات حميدتي من جهة، ويشير إلى الرغبة المصرية عقب وصفها لقواته بالمليشيا في الانتقام. واضاف:(ربما تلجأ القاهرة الى التصعيد بزيادة وتيرة الطلعات الجوية، او زيادة وتيرة تدفق الأسلحة للجيش في السودان، كما يمكنها أن تقوم بابعاد العديد من العناصر في القاهرة، من المجاهرين بدعمهم لحميدتي ومواقفه).

وأعرب سالم عن تخوفه من ان يكون إعلان حميدتي لاتهاماته المباشرة بمثابة إعلان تحالف اقليمي، في مقابل تحالف القاهرة والجيش، مرجحاً أن تكون اثيوبيا ضمن التحالف بحكم اشادة حميدتي برئيس الوزراء الاثيوبي، واتهامه في ذات الوقت للتقراي بدعم الجيش، ما يجعل الخارطة التحالفية القادمة أكثر نعقيداً على الجيش وحلفاءه، حتى ولو كانت ايران وتركيا والقاهرة ضمن مفرداته في مقابل حميدتي واثيوبيا والامارات وربما تشاد. وتابع: “كل ذلك بالتأكيد ياذن بزيادة الاشتعال ليس في السودان فقط ولكن في المنطقة ككل، مع العلم بأن تورط مصر في هذا الصراع في سياق ظروفها الحالية يعد غباءاً سياسياً، وتاكيداً على الفشل المخابراتي الذي يعمل على إعادة نظام الاسلاميين مرة اخرى للحكم في الخرطوم بدعم الجيش.

سياق الخطاب:

لقد جاء خطاب قائد قوات الدعم السريع في سياق تحولات سياسية كبيرة في السودان، سواء كانت نتيجة للثورة التي أكتنفت البلاد واسقطت نظام المخلوع البشير، أو التغيرات في السلطة، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي تسبب فيه الجيش بتواطوء مدروس مع أنصار النظام المباد لخنق الفترة الانتقالية، بالاضافة إلى إندلاع الحرب في مواجهته من قبل مؤسسة الدولة نفسها التي كان يحميها، مما جعل الخطاب مُحَمَّلاً بعبء الحاجة إلى إثبات القوة، أو الدعم الشخصي. كذلك جاء الخطاب في سياق مواجهات عسكرية واستخباراتية وأمنية سواء من الجيش أو الميليشيات المتحالفة معه من فلول الإسلاميين، مما كان له تأثيره المباشر في خطاب “حميدتي”، بدعوته المتضمنة للوحدة والتضامن لمواجهة عودة النظام المباد ومؤسسة الجيش بشكلها القديم. أيضا جاء الخطاب في سياق توترات قبلية بفعل استهداف الجيش لإثنيات ومجتمعات بعينها وهو ما جعل حميدتي يوظف خطابه لتعزيز فكرة الوحدة الوطنية لمواجهة مخططات عودة النظام المباد، صاحب الفضل في خلق التورات القبلية والمناطقية في السودان.

المحتوى السياسي:

كثيرون عقب خطاب حميدتي جاءت تعليقاتهم أنه خطاب كيف تحول الهزيمة إلى نصر، ففي الوقت الذي يكرس الجيش امكانياته لمواصلة سيناريو انه الجيش الذي لا يقهر وعدم إقراره بالهزائم، ومحاولة ايهانم الراي العام دائما بأن كل خسائره تكتيكات عسكرية، جاء خطاب حميدتي متصالحاً مع هزيمة قواته في جبل موية، ما جعل أمر الهزيمة والنصر في سياق الحروب أمراً طبيعياً، وليس منقصة.

وعلى مستوى الخطاب بدا واضحا أن حميدتي يهدف ويركز  على استعادة القوة والثقة وتعزيزهما داخل قوات الدعم السريع، عاملاً في الوقت ذاته على الحفاظ على معنويات القوات رغم الضغوط، مما يشير إلى محاولة لإعادة تجميع الصفوف وترسيخ الولاء. وأقرن ذلك مباشرة بتصدير خطاب يقر بالهزائم لكنه غير متصالح معها وذلك بتوجيهاته التي تعني استمرار القتال سواء بحشد قواته سواء الضباط أو ضباط الصف أو الجنود فضلاً عن قوله بالانتقال للخطة (ب)، ما يعكس رغبته في مواصلة الحل العسكري كخيار أساسي.

بيد أن أكثر المحطات جدلاً في خطاب حميدتي، جاءت عقب نما اعتبره البعض نقداً للاتفاق الإطاري،  لكن أغلب التحليلات ذهبت إلى أن الفكرة الجوهرية في هذه النقطة ليس توجيه النقد، بقدر ما كان حميدتي يستهدف إعادة تصحيح التصور حيال النزاع والحرب الحالية، والتأكيد على أنه ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً.

محور أخر نقل فيه حميدتي الخطاب من السياق المحلي بإرتباطاته المعلومة بين الجيش وفلول النظام البائد بإدخال العنصر الخارجي، عبر توجيه اتهامات معلنة ومباشرة لدول بعينها، وهو ما سيسهم بالتاكيد في شحذ الهمم، وتحقيق نوع من الالتفاف الداخلي، خصوصاً وأن بعض الدول المذكورة كان لها موقفها المعادي تجاه ثورة ديسمبر، وحراكها المجيد، ونتائج هذه الحراك أنذاك. فضلاً عن أن إلقاء اللوم على التدخلات الخارجية أو الإطاري المحاط باطراف دولية وخارجية، تصرف النظر عن تركيز النقد على قيادته، أو  خطط قادته العسكرية، أو على أداء قواته، وهو ما يعكس حالة  الحذر السياسي.

اللغة والاسلوب:

الملاحظ ايضا في سياق التحليل اتسام خطاب حميدتي باللغة الحماسية التي تهدف إلى تحفيز قواته وتأكيد السيطرة، مما يعكس أسلوباً شائعاً في الخطابات القومية أو العسكرية، وهو في ذلك مزج بين لغة الاستراتيجيات العسكرية واللغة السياسية التي تهدف إلى تعزيز القوة الداخلية لقواته، بينما يعبر عن معارضته للواقع الماثل امامه.

وحسب الخطاب استخدم حميدتي مفردات عسكرية، وهو ما يصدر إحساساً بالانضباط والالتزام والعزيمة باعتبارهما متلازمات عسكرية، فوردت مفردات مثل “القتال” و”الحماية” و”الكرامة”، مما يبرز موقفه كقائد عسكري، وهذه الكلمات تخلق إحساساً بالثقة وتدعو إلى التماسك بين قواته.

كذلك تضمن الخطاب تهديدات واضحة للأطراف التي يحاربها والاطراف التي تدعم الاطراف التي يحاربها، وهو ما يكرس تصميم حميدتي على تحقيق أهدافه، بعدم سماحه بعودة الاسلاميين للسلطة في السودان، وهو ما يخدم حشد قطاع عريض لصالح خط الدعم السريع.

سعى حميدتي أيضاً في خطابه لتوجيه انتقادات لاذعة لخصومه، فضلاً عن التقليل منهم من خلال السخرية منهم أو من ممارساتهم أو احاديثهم، ثم الانتقال فجاة إلى جرائم وممارسات مرفوضة وغير مقبولة لخصومه لم يتم ذكرها أو إعلانها سابقاً، مثل استخدام عبارات تعكس الفساد أو الخيانة الاغتصاب،  وهذا النوع من اللغة يشير للخصم كخطر على الوطن، أو النسيج الاجتماعي، أو كشر يجب تجنبه او التصدي له، ويبرر  بالتالي أهمية مواقف حميدتي لمواجهته.

وظف حميدتي في خطابه القيم السودانية، فضلاً عن الاشارة للتاريخ، وهو أمر يمنح الخطاب بعداً أصيلاً ووطنياً، يشتت الخصم عن استهداف تلك المحاور باعتبارها أمراً متفقا عليه. كذلك لجأ حميدتي الى الخطاب الإنساني كعبارات الفقد والألم نتيجة النزاع، وهو ما يعكس إنسانيته وتعاطفه مع المجتمع، ويشير لادراكه للتعقيدات الإنسانية المرتبطة  بالحرب.

تفاعلات وردود أفعال:

تباينت ردود الافعال تجاه خطاب قائد قوات الدعم السريع، ففي الوقت الذي سعت فيه غرف الجيش الاعلامية والفلول لتكريس انطباع سالب،  فيما برزت في المقابل استجابة قوات الدعم السريع، خصوصاً بعد شكره لها على الرغم من فقدانهم “جبل موية”، وهو أمر يرفع الروح المعنوية بينهم ويعزز الولاء والانضباط.

أما ردود فعل الشارع العام فقد اعتبرالبعض الخطاب يعبر عن قوة وثبات وعزيمة ومواصلة، بينما عبر البعض عن شعورهم بالإحباط من التصعيد العسكري المستمر في بلادهم، وعدم وجود رؤية سياسية واضحة لإنهاء الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار