راينو: وكالات – في صباح السابع من أغسطس 2026، ظهرت إلى العلن معلومةٌ شديدةُ الحساسية في توقيتها ومضمونها. فقد نشر إيدي كوهين، الباحث والمُعلِّق الإسرائيلي المعروف بمُتابعته للشؤون العربية، أن طائرة شحن تابعة لشركة بدر للطيران وصلت إلى مطار الخرطوم قادمةً من جدّة، وأنها كانت تحمل، وفق ما نسبه إلى “مصادر استخباراتية”، طائرات مسيّرة باكستانية من طراز شاهبار-2.
تظلّ هذه المعلومة ادعاءً منسوبًا إلى مصدر استخباراتي غير مُعلن. وما هو مُؤكّد أن طائرة شحن تابعة لشركة بدر للطيران حطت في مطار الخرطوم صباح 7 أغسطس 2026 قادمة من جدة، وفق معلومات استخباراتية مُتداولة أفادت بأن الطائرة كانت تحمل شحنة من المسيّرات الباكستانية شاهبار-2. وتأتي هذه الرحلة في سياق بالغ الدلالة، إذ تتزامن مع تنفيذ أو ترتيبات تنفيذ صفقة تسليح باكستانية واسعة النطاق للسودان، ومع ظهور مدرعات ومعدات عسكرية باكستانية في الخرطوم، بما يشير إلى مسار تسليح يستحق التتبع من مصدره إلى وجهته النهائية.
يأتي الحديث عن شاهبار-2 يأتي في وقت تتقاطع فيه عدة مؤشرات؛ من بينها صفقة تسليح سودانية باكستانية قُدِّرَت قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وتقارير عن مئات الطائرات المسيّرة ومركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي، ثم ظهور مركبات مدرعة باكستانية في الخرطوم، وأخيرًا ادعاء وصول إحدى المنظومات الجوية الأكثر تطورًا في الحزمة نفسها. وبذلك تصبح رحلة السابع من أغسطس خيطًا في ملف أكبر بكثير من طائرة شحن.
حزمة التسليح الباكستانية
القصة الأوسع بدأت قبل منشور كوهين. ففي أغسطس 2025، ظهرت تقارير دفاعية تحدثت عن صفقة تسليح سودانية ـ باكستانية ضخمة، قُدّرت قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار. وفي يناير 2026 قالت وكالة رويترز للأنباء، إن باكستان تقترب من إتمام اتفاق دفاعي مع السودان بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار. وبحسب التقرير، تشمل الصفقة أسلحة وطائرات مسيّرة للاستطلاع وطائرات K-8 Karakorum، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، وطائرات تدريب Super Mushshak، مع احتمال دخول مقاتلات JF-17 في ترتيبات أوسع.
وتشير تقارير دفاعية أخرى إلى قائمة أكثر تفصيلًا تتضمن 10 طائرات K-8 Karakorum، و20 طائرة شاهبار-2، و150 طائرة YIHA-III، و50 طائرة MR-10K، و50 طائرة Ababeel-5، و150 مركبة مدرعة محافظ -V، إلى جانب أنظمة دفاع جوي من بينها HQ-9 وHQ-6 ومكونات ومحركات لطائرات MiG-21.
قيمة الصفقة
لا ينبغي التعامل مع مبلغ 1.5 مليار دولار باعتباره مجرد مجموع أسعار الطائرات والمركبات. فالصفقات العسكرية الكبرى عادةً تشمل عناصر تتجاوز المنصة نفسها، مثل التدريب وقطع الغيار والذخائر ومحطات التحكم ومعدات الاتصالات والدعم الفني والمحاكيات ومعدات الاختبار والصيانة والدعم اللوجستي والتجهيزات الخاصة بالتشغيل. لذلك لا توجد، في المعلومات العلنية المتاحة، ما يسمح بالقول إن «سعر شاهبار-2 هو كذا» أو إن «سعر محافظ-V هو كذا» باعتباره رقمًا تعاقديًا مؤكدًا، لكن يمكن وضع تقديرات تقريبية لفهم الحجم المالي.
إذا افترضنا أن قيمة الطائرة المسيّرة الواحدة، مع حزمة تشغيل أساسية، تقع في نطاق عشرات الملايين من الدولارات للحزمة وليس بالضرورة للطائرة المجردة، فإن 20 طائرة شاهبار-2 يمكن أن تمثل قيمة إجمالية في حدود عشرات الملايين إلى أكثر من مائة مليون دولار بحسب التجهيزات والذخائر ومحطات التحكم والتدريب والدعم. أما 150 مركبة محافظ-V، فحتى لو قُدّرت قيمة المركبة الواحدة في نطاق مئات الآلاف من الدولارات بحسب التهيئة والتسليح، فإن إجمالي المركبات قد يقع في نطاق عشرات الملايين من الدولارات.
أما أنظمة الدفاع الجوي، خصوصًا إذا تضمنت منظومات مثل HQ-9، فإنها قادرة وحدها على استهلاك جزء كبير من قيمة الصفقة. وبالتالي فإن مبلغ 1.5 مليار دولار يصبح أكثر قابلية للفهم عندما يُنظر إليه باعتباره حزمة تسليح وبنية تشغيلية كاملة، وليس قائمة مشتريات من منصات منفردة.
التسريب وتوقيته
إن نشر هذه القائمة التفصيلية، بما تتضمنه من أعداد محددة وطرازات متنوعة تشمل الطائرات المسيّرة والطائرات التدريبية والمركبات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوي، يحمل دلالة تتجاوز مجرد الكشف عن محتويات صفقة عسكرية.
فكلما ازدادت التفاصيل المنشورة حول نوع المعدات وأعدادها، أصبح من الممكن تتبع سلسلة التسليح بصورة أكثر وضوحًا، وربط بلد التصنيع بالجهة المستفيدة ومسارات النقل والتمويل المحتملة. وفي سياق الحرب السودانية، يمكن أن يؤدي تسريب مثل هذه المعلومات إلى وضع الدول والشركات والجهات التي يُعتقد أنها شاركت في التصنيع أو التمويل أو التسهيل أمام تدقيق سياسي وإعلامي وقانوني متزايد. كما أن نشر تفاصيل دقيقة بهذا المستوى قد يكون جزءًا من معركة أوسع حول كشف شبكات الدعم الخارجي وإظهار الأطراف المرتبطة بها أمام الرأي العام، وهو ما يجعل مسألة مصدر التسريب وتوقيته والجهة المستفيدة منه جزءًا مهمًا من قراءة الصفقة نفسها.