اشتعلت الحرب بين الجبهة الشعبية لتحرير تقراي والجيش الفدرالي الاثيوبي في العام 2020 بعد ثماني سنوات من وفاة رئيس الوزراء الاثيوبي ملس زيناوي الذي ينتمي الي قومية التقراي والذي حكم في الفترة من 1991 عقب سقوط مانقستو الي وفاته في العام 2012 وبعد سنتين من بدء تنصيب آبي احمد رئيسا لوزراء الحكومة الاثيوبية في العام 2018. اشتعلت الحرب بشكل اساسي نتيجة لرفض التقراي عموما للإجراءات التي قام بها ابي احمد استجابة للاحتجاجات الواسعة التي قامت بها العديد من الاقاليم والقوميات وخاصة قوميتي الأورومو والأمهرا ضد تمكين التقراي من مفاصل الدولة مما دعا آبي احمد وحزب الازدهار الذي يقوده الي الشروع في اعادة هيكلة الخدمتين المدنية والعسكرية في عموم اثيوبيا وازالة التمكين والامتيازات التي راكمتها قومية التقراي داخل جهاز الدولة الاثيوبي وداخل الاقتصاد والمجتمع وتغولهم حتي علي اراض خارج اقليم تقراي.
حدث كل ذلك التراكم تحت ظل الحماية المباشرة وغير المباشرة من رئيس الوزراء الاثيوبي ملس زناوي الذي ينتمي في الاساس لقومية التقراي واستمرت هيمنتهم علي الدولة الي ان جاء الي الحكم آبي احمد . في واقع الامر ثمة اسباب موضوعية مكنت لقومية التقراي من الاستحواز علي جزء كبير من مفاصل السلطة في اثيوبيا غير مسألة الانتماء العرقي للرئيس ملس زناوي لقومية التقراي.
ولعل ابرز تلك الاسباب والعوامل الموضوعية تتمثل في الدور الحاسم والمحوري الذي لعبته الجبهة الشعبية لتحرير تقراي في الاطاحة بنظام منقستو هايلي ماريام . فتحالف القوميات الذي قضي علي نظام مانقستو كان قوامه الرئيسي هو جبهة تحرير تقراي التي كانت قواتها المسلحة قاعدة وقيادة اكبر من جميع قوات القوميات الاخري التي تحالفت معها . ويقدر المراقبون ان قوات تقراي كانت تشكل ما بين 80 % الي 90% من عديد القوات التي دخلت اديس ابابا وقضت علي نظام مانقستو . فلذلك كان من الطبيعي ان يشغل التقراي اهم المناصب القيادية في الدولة الفدرالية الوليدة .
وبكلمة واحدة يمكن القول بانه لولا التقراي لما سقط مانقستو . وطوال ما يقرب من ربع القرن الذي حكمه ملس زناوي توطد تمكين التقراي من مفاصل جمهورية اثيوبيا الفدرالية برغم انهم كقومية لايزيد عدد سكانها عن 6% من سكان اثيوبيا .. فلذك كان من الطبيعي ان يثوروا ضد الفطام من السلطة الذي حدث لهم لاحقا . ان وضعهم شبيه بوضع كيزان السودان الذين قاوموا التغيير وسعوا للحفاظ علي السلطة بكل الوسائل ومنها الحرب السودانية الحالية التي يعتقدون انهم من خلالها يستطيعون العودة لحكم السودان حتي لو قاد الامر لموت الملايين وتمزيق البلاد.
وقد تكون ثورة التقراي مفهومة ولكن من غير المفهوم بشكل كاف هو انضمام ست فصائل قومية اثيوبية اخري للتقراي لمحاربة الجيش الفدرالي الاثيوبي الان . ولعل اهم تلك الفصائل هي جبهة نارو الامهرية وجيش تحرير أرومو وجبهة الاوقادين بالإضافة لقوات عفرية ومن اقليمي بني شنقول وقمز. هل السبب في اشتعال الحرب الواسعة الحالية يعود الي سعي هذه المجموعات للوقوف ضد مقترحات آبي احمد الرامية الي احداث تغييرات جذرية في الدستور الفدرالي الحالي وخاصة الغاء او تعديل المادة 39 من الدستور الفدرالي الاثيوبي التي تنص علي تكريس الفدرالية العرقية التي تعطي كل اقليم حكما ذاتيا بصلاحيات واسعه تشتمل علي حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في الانفصال ضد سعي آبي احمد وحزبه الداعي الي التفاف الاثيوبيين حول هوية وطنية مشتركة تتجاوز القوميات والعرقيات عبر سلطة اتحادية مركزية ذات صلاحيات واسعة قادرة علي القيام بنهضة واسعة تكون في مصلحة كل القوميات ؟؟. ام هي الخشية من تخلي اثيوبيا تدريجيا عن الفدرالية والرجوع الي القبضة المركزية التي صبغتها عبر التاريخ، أم هنالك اسباب اخري؟.
الملاحظات المهمة ان هذه الحرب بين الفصائل المتمردة والجيش الاثيوبي الفدرالي تدور بشكل اساسي في مثلث الحدود المشتركة بين اثيوبيا وارتريا وجيبوتي ونفس هذا المثلث في الداخل الا ثيوبي يربط بين ثلاثة اقاليم هي تقراي وامهرا و اقليم عفر ذي الحدود المتاخمة لكل من ارتريا وجيبوتي والقريب جدا من ميناء عصب الارتري علي البحر الاحمر الذي لايبعد سوي 60 كيلو مترا عن الحدود الاثيوبية والذي تطمع او تسعي اثيوبيا للوصول اليه طال الزمن او قصر كهدف استراتيجي وجودي ليخرجها من وضعية الدولة المغلقة ..وهي وضعية معيبة لدولة عملاقة بحجم اثيوبيا.
قد تكون هنالك اسباب غامضة لا يدركها سوي الاثيوبيون انفسهم ويصعب تفسيرها وهي تدور حول سؤال مركزي يقول لماذا تتحالف سبعة من الحركات القومية لتحارب الجيش الاثيوبي الفدرالي في الوقت الذي تحرز فيه اثيوبيا ( كدولة ) معدلات نمو مرتفعة وانجازات هائلة في الاعمار والبنيات التحتية التي اهمها سد النهضة الذي سيحدث بالتأكيد تغييرات جوهرية ايجابية لاشك فيها في حياة كل الشعوب الاثيوبية عبر تحديث وكهربة الريف الاثيوبي بأكمله ؟؟
كل الاثيوبيون يعلمون جيدا ان التنمية المحتملة في حياة الاثيوبيين ستغيرهم جذريا . هل التحديث المحتمل سيتم علي حساب البني التقليدية السياسية والاجتماعية والروحية ومايرتبط بها من سلطات ذات دوافع اقدم و اعمق حتي من دوافع الحركات المسلحة التي تحارب الان الجيش الفدرالي الاثيوبي ؟؟. ام هنالك اسباب داخلية وخارجية اخري عصية علي فهم اي مراقب خارجي ؟؟.
لوحظ ان ارتيريا دخلت فعليا في القتال الي جانب الحركات المسلحة المتمردة نتيجة لخوفها الاستراتيجي من ان يجتاح الجيش الفدرالي اذا انتصر علي المتمردين الاراضي الارتريرية ويصل الي ميناء عصب الارتري ويسيطر عليه وعلي الاراضي الارترية القريبة منه لتأمينه كميناء .
يعتقد العديدون في العالم حكومات وشعوبا انه لا يوجد امام العملاق الاثيوبي سوي الوصول الي ساحل البحر الاحمر والسيطرة علي ميناء عصب تحت دعاوي بوجود تفاهمات غامضة بين الثورة الاثيوبية التي كانت ضد مانقستو والثورة الارتيرية التحررية التي تزامنت معها ضد مانقستو ايضا . يدعي الاثيوبيون ان تلك التفاهمات الغامضة بين الثورتين كانت تتضمن ان تكون لاثيوبيا اطلالة علي البحر الاحمر ثمنا لمساعدتها ووقوفها مع سعي ارتريا للانفصال عن اثيوبيا الام. وقد لا يعترض احد في العالم اذا تمكنت اثيوبيا من الاطلالة علي العالم الخارجي عبر ايجاد موطيء قدم لها علي البحر الاحمر لما تمثله اثيوببا من ثقل في الفضائين الافريقي والدولي وكدولة مهمة قادره علي حفظ مصالح العالم الملاحية الكبيرة في المحيط الهندي وخليج عدن و باب المندب .
الاستقرار في القرن الافريقي مهم لافريقيا وللعالم والتنمية مهمة لكل شعوبه والتعاون بين دوله شرط اساسي للاستقرار والتنمية ولكن يظهر جليا ان الدكتاتور الارتري اسياس افورقي الذي جمد زمن بلده في مستوي ستينيات القرن الماضي حيث لا انترنت ولا ذكاء صناعي ولا اقتصاد رقمي هو العقبة الكؤود التي تقف ضد ذلك الاستقرار.