السودان

إسلاميو السودان إرهابيون: هل يقود التصنيف لوقف الحرب؟

تقرير: راينو

في خطوة طال انتظارها سودانيا، أعلنت أخيراً الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزارة خارجيتها تصيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، مشيرة إلى أنها تعتزم تصنيفها “منظمة إرهابية أجنبية” اعتباراً من 16 مارس. فما الذي يعنيه ذلك؟ وهل ينعكس ذلك تقييد الاسلاميين من محاولاتهم استمرار الحرب وإجهازهم على كل مبادرات الحل؟

مبررات التصنيف

وبرر بيان الخارجية الأمريكية الخطوة بقوله إن “تنظيم الإخوان المسلمين في السودان يستخدم العنف غير المقيّد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز أيديولوجيته العنيفة”.

القرار الأمريكي تجاه إسلاميي السودان وميليشياتهم كالبراء بن مالك، لم يخل من الأجندة الأمريكية المرتبطة بحربها مع إسرائيل على إيران. فأوضح البيان أن مقاتلي التنظيم الذين تلقّى العديد منهم تدريباً ودعماً آخر من الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين”. وأضاف: “وبصفتها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، قام النظام الإيراني بتمويل وتوجيه أنشطة خبيثة حول العالم عبر الحرس الثوري الإيراني. وستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد التي تمكّنها من الانخراط في الإرهاب أو دعمه”.

ماذا يعني التصنيف العالمي الخاص؟

القرار الأمريكي في مواجهة إسلاميي السودان وميليشياتهم تحت عنوان” منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص” تعني بحسب متابعات”راينو” أن القرار صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية تحت الأمر التنفيذي 13224، ويعرف اختصارا بـ (SDGT) ويستهدف فرض عقوبات مالية صارمة، منها تجميد أصول الإسلاميين في الولايات المتحدة، وحظر أي دعم مادي أو مالي لها من قبل الأمريكيين أو عبر النظام المالي الأمريكي.. أي أن القرار يستهدف شل قدرة كيان الإسلاميين مالياً وقطع علاقاته الدولية. وهو قرار يتم عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، ويعيب القرار أنه لا يجرّم الانتماء للجماعة بالضرورة.

في المقابل فإن اختتام القرار الأمريكي بأنها تعتزم تصنيف الجماعة كـ “منظمة إرهابية أجنبية” اعتباراً من 16 مارس يعني أن ثمة مستوى أخر من التصنيف وهو ما يعرف اختصارا (FTO) ويقصد به إدراج الكيان كـ “منظمة إرهابية أجنبية”، ويصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية، ويعد أشد فتكاً من الناحية القانونية؛ إذ لا يكتفي بتجميد الأصول فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تجريم تقديم أي نوع من أنواع الدعم المادي أو المالي للمنظمة، ويمنع أعضاءها من دخول الأراضي الأمريكية، مع فتح الباب لملاحقة داعميها جنائياً.

وبحسب مراقبين فإنه وبالنظر إلى الحالة السودانية، يبدو أن الولايات المتحدة قد أحكمت طوق العقوبات على تنظيم “إخوان السودان” عبر مسارين متزامنين؛ فبينما دخل تصنيفهم كـ “إرهاب عالمي خاص” (SDGT) حيز التنفيذ لفرض قيود مالية صارمة وتجميد ممتلكاتهم، فإنها تعتزم إدراج الجماعة أيضاً ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” في 16 مارس الجاري، وهو ما يمنح العقوبات صبغة جرمية وينهي أي إمكانية للتعامل القانوني مع التنظيم، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في استخدام أقصى أدوات الضغط القانوني والمالي لتشديد الخناق على تحركات الجماعة ومصادر تمويلها.

وهو ما أكده كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، بتعليقه على حسابه الخاص، بأن الولايات المتحدة صنفت جماعة الإخوان في السودان منظمة إرهابية بهدف محاسبة مرتكبي الجرائم ضد المدنيين. وقال: “في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب، ومع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية أجنبية ومنظمة إرهابية عالمية مدرجة على قائمة التصنيف الخاص، تواصل الولايات المتحدة استخدام جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب، والتصدي للنفوذ الإيراني الخبيث، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في السودان”.

ودعا بولس طرفي الحرب في السودان إلى القبول الفوري بهدنة إنسانية، مؤكداً أن واشنطن تواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضد المدنيين. وأضاف أن الوقت قد حان لكي يقبل طرفا الصراع هدنة إنسانية فورية تسمح بوصول المساعدات المنقذة للحياة إلى المدنيين، وتوفر مساحة لبدء حوار يخفف من معاناة السكان المتضررين من الحرب

الإرهابيون يردون

لم يجف حبر البيان الأمريكي ، إلا واصدر ما يعرف بـ الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، علي أحمد كرتي بياناً، كرد على قرار وزارة الخارجية الأمريكية الذي صنف تنظيمه كـ “تنظيم إرهابي”، واصفاً القرار بأنه “مثير للسخرية” كونه يصدر عن جهة اتهمها بنشر الإرهاب عالمياً وتصنيف الشعوب وفقاً لمصالحها.

وأكد كرتي، أن هذه الخطوة تعيد للأذهان تجربة تصنيف السودان قديماً، والتي لم تزد الشعب إلا “ثباتاً وتمسكاً بقيمه”، مشدداً على أن الجماعة “متغلغلة” في نسيج المجتمع السوداني، وأن استهدافها بالتصنيف هو في جوهره استهداف للشعب بأكمله، ومحاولة بائسة لفصل البلاد عن هويتها الدينية.

وشدد كرتي بأنه “لا سودان بلا إسلام”، معتبراً أن الحركة جزء أصيل نبع من داخل المجتمع وتفاعل مع قضاياه، وأن الضغوط الخارجية والوصم بالإرهاب لن يغيرا من حقيقة تجذر القيم الدينية والثقافية للسودانيين، أو يفت في عضد الترابط بين الشعب وهويته الجامعة، رغم ما تمر به البلاد من تحديات ومآلات الـ حرب الراهنة.
تأثيرات محتملة

من جانبه يرى القيادي بـ “تحالف تأسيس”حاتم إلياس، أن الحركة الإسلامية في السودان قد بلغت في ممارساتها مرحلة من “الغرور السياسي المراهق”، وهو نهج متجذر بدأ منذ انقلاب “الإنقاذ” عام 1989 حين رفعت الجماعة شعارات معادية للعالم أجمع، شملت قوى كبرى ودولاً إقليمية، وصولاً إلى دول الخليج التي تسيء إليها تارة وتتملقها تارة أخرى وفق تقلبات المصالح. وقال في حديثه لـ”راينو”: “الجماعة التي تدعي اليوم تحالفها مع دول كالمملكة العربية السعودية في هذه الـ حرب، هي ذاتها التي ناصبتها العداء سابقاً وكالت لها السباب، مما يعكس انعدام النضج والتقدير السليم للواقع”.

وأوضح إلياس أن الحركة الإسلامية “كبرت بجهلها” السياسي، متوهمة امتلاك المشروعية المطلقة باسم الدين والوطن، وظنت أنها تمتلك حصانة من المساءلة، وهو ما أدخلها في ورطتها الراهنة؛ حيث إن ادعاءات الجماعة بامتلاك الحقيقة تخفي خلفها فكرة شوفينية وعنصرية معادية للحياة، جعلتها في نهاية المطاف في مواجهة مباشرة مع القيم الإنسانية العالمية ومطاردة ومحظورة دولياً.

واختتم إلياس حديثه بالـ تأكيد على أن قرار التصنيف الأمريكي، رغم تأخره وصبر العالم الطويل، يمثل انتصاراً حقيقياً لإرادة الشعب السوداني وتطلعاته في استعادة مساره المدني بعيداً عن أوهام المشروعية الزائفة. واضاف: هذا الحصار من شأنه شل يد الإسلاميين وبالتالي تقليص فعاليتها وسطوتها على الجيش بسبب تخوف الأخير من التعامل معها على الأقل ظاهريا، مما يجعله يقبل بالمبادرة الدولية لإيقاف الحرب التي كان يقوضها فلول الإسلاميين.

وفي السياق تذهب المتخصصة في العلوم السياسية والشؤون الإقليمية في ملفات إيران وإسرائيل والشرق الأوسط، د.فرناز عطية في حديثها لـ”راينو” إلى أن قرار التصنيف الأمريكي الأخير ستترتب عليه حزمة من التبعات القانونية والمالية المعقدة التي تتجاوز الأفراد لتطال البنية المؤسسية، مؤكدة أن هذا الإجراء سيفضي مباشرة إلى تجميد أرصدة الأعضاء المنتمين للتنظيم ومنعهم من السفر إلى الدول التي تعترف بهذا التصنيف، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن المؤسسات التي تتعاون مع هؤلاء الأفراد ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما القطيعة التامة معهم أو مواجهة خطر العزلة الدولية ووقف التعاملات المالية معها بالكامل.

كما حذرت د. عطية من أن هذه العقوبات قد تمتد لتلقي بظلالها على مؤسسات رسمية تابعة لدولة السودان في حال ثبت استمرار تعاملها مع هذه المنظومات التي باتت توصف دولياً بـ “الإرهابية”، مؤكدة أن أي طرف يستمر في هذا المسار سيُصنف قانونياً كشريك في نشاط مشبوه، مما يعرضه لملاحقات دولية وتجميد للأصول، وهو ما يضع الكيانات الاقتصادية والسياسية أمام مسؤولية جسيمة لتفادي الارتدادات العنيفة لهذا التصنيف على استقرار مؤسسات الدولة وتعاملاتها الخارجية.

وفي سياق متصل، أبانت د. فرناز عطية، من التبعات الخطيرة المتعلقة بملف التسلح؛ حيث أشارت إلى أن هذا التصنيف الدولي سيؤدي بالضرورة إلى فرض حظر صارم على تدفق الأسلحة إلى الجماعة المصنفة، مؤكدة أن الدول التي قد تستمر في توريد السلاح لهذه المجموعة ستجد نفسها تحت طائلة العقوبات الدولية والملاحقة القانونية، وهو ما يضع قيوداً مشددة تمنع وصول أي دعم عسكري أو لوجستي للجماعة من الأطراف الخارجية التي تخشى التصادم مع الإرادة الدولية.

اقتصاد هش:

ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي طارق عبد اللطيف في حديثه لـ”راينو” أن هذا التصنيف، المستند إلى اتهامات باستخدام (العنف غير المقيد ضد المدنيين) وتعزيز (أيديولوجية إسلامية متطرفة) بدعم إيراني، يحمل تداعيات عميقة على المستويات كافة. مشيرا إلى أن أبرز الأثار السياسية تتلخص في أن القرار سيؤدي إلى تجميد أصول التنظيم داخل الولايات المتحدة، وقطع التمويل عنه، ومنع أي تعاملات مالية معه. كما يضع حلفاءه الدوليين تحت طائلة العقوبات الثانوية. وأضاف: “داخلياً، يضعف شرعية التيارات المرتبطة بالحركة الإسلامية، ويعزز موقف القوى المنافسة التي تقدم نفسها كبديل مقبول دولياً، مع إمكانية إعادة رسم التحالفات داخل الدولة بين العسكر والمدنيين”.

ويشدد طارق على أن الاقتصاد السوداني الهش بدأ التعافي بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020، سيواجه انتكاسة. موضحاً بأن البنوك الدولية ستتشدد في التعامل مع أي مؤسسات سودانية مرتبطة بالكيانات المصنفة، مما يعمق العزلة المالية. وأضاف: المستثمرون سيتجنبون بيئة تختلط فيها السياسة بالتصنيفات الأمنية، مما يرفع تكلفة الاستثمار. وتابع: كما أن برامج الدعم من مؤسسات كالبنك الدولي قد تتعطل أو تتباطأ، كما حدث بعد انقلاب 2021. مرجعاً ذلك إلى أن النظام المصرفي العالمي يخضع بدرجة كبيرة للرقابة الأمريكية، حيث تخشى البنوك الدولية التعرض لما يعرف بالعقوبات الثانوية، وهي عقوبات قد تحرمها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

ورجح عبد اللطيف إمكانية أن يؤدي القرار إلى ارتفاع تكلفة التحويلات المالية والتجارة الخارجية للسودان، وقال: لأن العديد من المصارف الدولية قد تتجنب التعامل مع المؤسسات السودانية لتفادي المخاطر القانونية المرتبطة بالعقوبات، بما ينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي، والذي تأثر بدرجة كبيرة من جراء الحرب.

واشار المحلل الاقتصادي إلى أن التصنيف يأتي ضمن حملة أمريكية أوسع ضد أفرع الإخوان (لبنان، الأردن، مصر – يناير 2026)، ويرتبط بالصراع مع إيران المتهمة بدعم (الإرهاب) وأضاف: السودان ذو الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر يجد نفسه في مرمى هذا الصراع. مشددا على أن القرار يأتي في سياق أوسع من الضغوط الأمريكية على الجماعات الإسلامية المسلحة أو المرتبطة بالصراعات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأضاف:” في المحصلة، لا يمثل هذا التصنيف إجراءً قانونياً فحسب، بل أداة ضغط سياسي واقتصادي يمكن أن تعيد تشكيل البيئة الاستثمارية والمالية في السودان. غير أن التجربة الدولية تظهر أن العقوبات وحدها لا تصنع الاستقرار، بل قد تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية إذا لم تترافق مع حلول سياسية داخلية قادرة على إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، كما أن التجربة تشير إلى أن الضغوط الخارجية وحدها غير كافية ما لم تترافق مع إرادة سودانية حقيقية لإنهاء الحرب من خلال بناء الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير . وختم حديثه:”يبقى السودان معلقاً بين رؤية دولية تسعى لوقف النزيف، وتعقيدات داخلية تجعل من وقف الحرب معادلة صعبة المنال”.

شبكة “الكيزان”

من واشنطون اعتبر المحلل السياسي هشام هباني في حديثه لـ”راينو” أن القرار، سيمثل تحولاً طال انتظاره بعد سنوات من خيبة الأمل الشعبية، خصوصاً في ظل العلاقة التاريخية التي ربطت هذه الجماعة بواشنطن منذ زمن الحرب الباردة حين قُدِّمت كحليفٍ مفيد في مواجهة المعسكر الشيوعي. وأضاف: لكن الحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً هي أن الكيزان لم يكونوا يوماً مجرد حزب سياسي، بل كانوا وما زالوا شبكة عابرة للحدود تجمع بين المال المنهوب، والتنظيم العقائدي، والمليشيات المسلحة، ولهذا فإن تصنيفهم إرهابياً لا يجب أن يبقى خطوة رمزية تُستهلك في البيانات، بل يجب أن يتحول إلى عملية تفكيك حقيقية لهذه الإمبراطورية المالية والعسكرية”.

وابان هباني أهمية الخطوة الأولى المطلوبة في تعقّب وتجميد ومصادرة كل الأموال والشركات التابعة لهذه الشبكة في أي مكان في العالم، خصوصاً في الدول التي تحولت إلى ملاذات آمنة لأموالهم واستثماراتهم مثل الإمارات وماليزيا وتركيا ومصر، إضافة إلى شبكاتهم الاقتصادية المنتشرة في إفريقيا. فهذه الأموال ليست استثمارات طبيعية، بل ثروات منهوبة من الشعب السوداني تحولت إلى وقود دائم للحروب والانقلابات.

وشدد هشام على أهمية ألا يقف الأمر عند حدود المال، وقال: إذا كانت واشنطن قد صنّفت الرأس، فعليها أيضاً أن تصنّف الأذرع والمليشيات. وقال: “الطريق الحقيقي لإنهاء حرب السودان لا يمر عبر بيانات دبلوماسية ناعمة، بل عبر تفكيك منظومة الكيزان بالكامل: مالها، وشركاتها، ومليشياتها، وشبكاتها الدولية. حينها فقط ستنهار أوهام الكيزان في تقسيم السودان وتقاسم ثرواته، وسيكتشف تجار الحرب أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار