الانسان المستسلم والخاضع للغير لا يصنع فارقاً ولا يعول عليه، في التاريخ البشري الممتد لا توجد أمه أو شعب نهض من عزلته وقاوم الاستبداد، وحلَّق بسلام في فضاء الحرية دون التفكير خارج الإطار المألوف، ومواجهة البديهيات التي صنعها الجلاد كخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. يقول ايتيان دي لابويسيه: “عندما يتعرض مجتمع لقمع طويل تنشأ اجيال من هذا المجتمع لا تحتاج الى الحرية وتصبح منسجمة مع الاستبداد ويظهر فيها ما يسمى بالمواطن المستقر”
عمدت سلطة بورتسودان صنيعة الجيش والطبقة المستفيدة منه، إلى اشعال الحرب أولاً، ثم إطالة عمدها لخلق حالة من الخضوع والاستسلام لدى السودانيون = صناعة مجتمع مستقر، لإجبارهم على إعادة النظر في مواقفهم المناهضة للحرب، والتسليم بسلامة موقف جنرالات الحركة الاسلامية وسدنة الدولة القديمة المخادع وادعاءاتهم الزائفة. لقد آمنت العصابة بصحة فرضياتها الكارثية وضمان نتائجها، لدرجة الغلو والاستهزاء بأي صوت حر دعا باكراً لوقف الحرب واطفاء حرائقها.
لم يكن الموقف الاخلاقي السليم، الذي تصدى بجرأة لدعاة الخراب وعسكرة المجتمع منذ ساعات الحرب الأولى، ناتج عن ضعف أو عدم القدرة على التفكير خارج المألوف، كما فهمه معسكر الحرب. بل كان محاولة جادة لمحاصرة حماقات ومغامرات الضباط المرتشين في قيادة الجيش، ووأد طموحاتهم الفاشلة في مهدها، وانقاذ السودانيين من المحرقة التي أعدَّها بمكر من يدعون اليوم الدفاع عن كرامتهم.
تمادت سطلة بورتسودان مدفوعة بهياج الطبقة المستفيدة من وجودها، في عنجهيتها وغطرستها، غير مبالية بمأساة السودانيون، وصرخات النساء وأنين الشيوخ والاطفال، مستخدمة في ذلك امتياز الدولة، لمحاربة ومعاقبة المجتمعات على نطاق واسع من أرض السودان، وفي كل مرحلة من مراحل تطرفها وبطشها، يشحذ انصارها عشرات الحجج لتبرير قمع وقتل الناس، جاءت معظمها تحت اسم الدولة والمحافظة عليها. لقد نسى هؤلاء الناس أو تناسوا، أن الدولة التي يقتلون الناس باسمها ليست ملكهم، ويمكن للآخرين ببساطة سحب هذا الامتياز من بين أيديهم.
وفي غمرة سكرتهم بامتيازهم السائد لسنوات طوال، لم يفطن معسكر الحرب في بورتسودان، إلى أن السودانيون لم يتحولوا بعد إلى مجتمع مستقر، وأن جذوة التمرد والمقاومة لا تزال متَّقدة، تغذيها باستمرار تضحيات جسام، قدمها ولا يزال يقدمها ابطال المقاومة المسلحة من أشاوس الدعم السريع والمقاتلين في الجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات الكفاح المسلح المؤمنة بضرورة وحتمية التغيير، وجميع الثائرات والثوار من جهات السودان الأربعة، وضحايا حروب الدولة القديمة الباطشة.
في خضم التفكير خارج الإطار المألوف والسعي الدؤوب لنزع امتياز الدولة عن عصابة بورتسودان وحلفائها، جاء ميلاد تحالف السودان التأسيسي كخطوة جادة وجريئة لامتلاك زمام المبادرة، وتأسيس جمهورية جديدة تساوي بين مواطنيها، من أولوياتها هدم الإرث الاستعماري الذي حرم السودانيون من حقوقهم الأساسية، ومخاطبة هموم وقضايا الناس المبعدين قسراً بسبب الإرث والثقافة الاستعمارية البغيضة، وفتح المجال أمام السودانيون وتمكينهم من التعبير بالأصالة عن قضاياهم، في وطن واحد حر وديموقراطي.