تباينت الآراء بحدة حول مقترح تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” بإنشاء مناطق آمنة في السودان، فبينما ترى التنسيقية التي تعتبر أحد أبرز الكيانات المدنية أن المقترح يمثل حلاً لحماية المدنيين من الانتهاكات المستمرة جراء الصراع المستمر منذ 15 أبريل/نيسان 2023، يعتقد مؤيدو الجيش أن الدعوة تعكس انحيازاً لقوات الدعم السريع، وخطوةً لتدويل الصراع.
لكن السؤال الأهم حالياً: هل يمكن تفكيك هذا المقترح وتحليله بعيدًا عن الاستقطاب القائم للوصول إلى تقييم موضوعي يستند إلى مصلحة المدنيين بشكل أساسي؟
خلال 19 شهراً من الصراع الدامي، قُتل أكثر من 40 ألف سوداني وفقًا لتقديرات منظمة أطباء بلا حدود، فيما أُجبر نحو 10.7 مليون شخص على النزوح قسراً هرباً من القتال حسب أرقام الأمم المتحدة. وفي الوقت ذاته، يهدد شبح الجوع أكثر من 25 مليون شخص من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم 45 مليون نسمة.
المقترح بعد جولة أوروبية:
وأزاحت تنسيقية “تقدم” النقاب عن المقترح بعد جولة أوروبية قام بها رئيسها، عبد الله حمدوك، حيث حضر اجتماعات عدة، من بينها اجتماع مجلس “مؤسسة مو إبراهيم” المعنية بالحكم الرشيد في إفريقيا وترويج نماذج قيادية ناجحة، واجتماع مجلس “مؤسسة إفريقيا وأوروبا”، وهو منتدى مستقل تأسس عام 2020 لتعزيز التعاون بين القارتين. وحضر الاجتماعين عدد من الرؤساء الأفارقة والأوروبيين السابقين، إضافة إلى قيادات من الاتحاد الأوروبي ومنظمات إقليمية ودولية.
وذكر بيان صادر عن “تقدم” أن حمدوك أطلع القادة الأوروبيين والأفارقة على خطورة الأوضاع المتدهورة في السودان، محذراً من إمكانية انزلاق البلاد نحو إبادة جماعية، على غرار ما حدث في رواندا خلال تسعينيات القرن الماضي. وعزا مخاوفه إلى عوامل عديدة من بينها: تعدد الجيوش، وتحشيد وتجنيد المدنيين، وتنامي خطاب الكراهية، والاصطفاف العرقي والجهوي.
وطالب حمدوك المجتمع الدولي باتخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين، تشمل فرض حظر للطيران الحربي والطائرات المسيّرة فوق جميع أنحاء السودان، كما جدد دعوته لإنشاء مناطق آمنة، ونشر قوات حماية دولية، إلى جانب بدء عملية إنسانية موسعة عبر دول الجوار وخطوط المواجهة. مشدداً على ضرورة اتخاذ تدابير عقابية ضد من يعيقون أعمال الإغاثة الإنسانية.
مناطق آمنة:
ظلت التنسيقية تؤكد على حيادها التام إزاء الصراع، ووقوفها على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مع دعوتها إلى إنهاء النزاع فوراً من خلال عملية تفاوض مرعية دولياً، تنتهي بنقل السلطة إلى حكومة مدنية، وتشكيل جيش قومي مهني.
وفيما يتعلق بإمكانية تطبيق المقترح، صرَّح القيادي بالتنسيقية، أحمد رضوان، بوجود حاجة مُلحة لإنشاء مناطق آمنة لحماية المدنيين من الهجمات الواسعة التي تنفذها الأطراف المتصارعة، سواء عبر العمليات العسكرية المباشرة أو القصف الجوي.
وقال في حديثه لـ”نون بوست” إن هذه الحاجة تأتي أيضاً لمواجهة الآثار الأخرى، وعلى رأسها النزوح الجماعي للسكان، والأزمة الإنسانية الحادة، وتدمير البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات والمدارس، مما يجعل إنشاء مناطق آمنة ضرورة للتخفيف من معاناة المدنيين وضمان سلامتهم.
ونادى رضوان بضرورة أن تكون هذه المناطق محظورة على الطيران وتحت رعاية دولية لضمان حماية المدنيين وتوفير الاستقرار لهم، بعيداً عن تهديدات الهجمات العسكرية والملاحقات الأمنية، وأضاف أن هذه المناطق ستساهم في توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية، ما يساعد في تخفيف معاناة المدنيين الذين لا يجدون مأوىً آمناً.
كما أشار رضوان إلى أن هذه المناطق تُسهم في تخفيف الضغط عن الدول المجاورة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي في ظل الأوضاع الراهنة.