ورطة جديدة يعيشها السودانيون كلما أصبح الصبح وواقع الحرب مستمر على حياتهم فارضاً كل ما هو استثنائي لم يألفوه .. فتجاوزت الحرب حدود السيطرة على المكان والسلطة، بل امتدت داخل جيوب الناس تمس ارزاقهم وما يكسبونه بعد لأي.
ومع نشوء ترتيبات مالية ومصرفية متباينة داخل السودان، تبرز تساؤلات تجاوز الأزمة الاقتصادية اليومية إلى سؤال هل يتجه السودان تدريجياً نحو انقسام نقدي يصعب التراجع عنه؟
عملة جديدة:
وبدأت المشكلة النقدية بصورة أكثر وضوحاً منذ أن قررت السلطات في مناطق سيطرة الجيش استبدال بعض الفئات القديمة من العملة، لخلق أزمة سيولة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، التي رفضت التعامل بالفئات الجديدة.
وكرد فعل على محاولات سلطات بورتسودان محاصرة نفوذ نيالا وسيطرتها عبر سياسات وإجراءات بنك السودان المركزي، من مقره في مناطق سيطرة الجيش – عبر إدارة السياسة النقدية الرسمية والتدخل في سوق النقد الأجنبي وتمويل الواردات – تم الإعلان في يونيو الماضي، عن تداول أوراق نقدية جديدة في مناطق سيطرة قوات تأسيس، بالتزامن مع خطوات لإنشاء ترتيبات مصرفية ونقدية موازية في نيالا.
ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بوجود أوراق نقدية قديمة وجديدة، وإنما دخلت في نطاق أوسع يتعلق بمن يملك القدرة على إدارة النقد والمصارف والتحويلات داخل كل منطقة.
وفي يناير 2026، أعلنت السلطات في مناطق سيطرة «تأسيس» عن خطوات لإنشاء نظام مصرفي موازي، قبل أن يصدر في مايو قرار بإنشاء «مجلس انتقالي للعملة» يتولى مهام تتصل باستقرار النقد وتنظيم القطاع المصرفي وبرامج استبدال العملة وإصدار التراخيص المصرفية.
وفي مايو ويونيو، ظهرت أوراق نقدية تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، ما أضاف بعداً جديداً إلى الانقسام المالي.
اقتصادان وسوق واحدة :
المشكلة لا تتوقف عند الأوراق النقدية. فقد أدى خروج عدد من المصارف عن الخدمة في دارفور وأجزاء من كردفان إلى صعوبات في ضخ السيولة وتنفيذ التحويلات، وظهرت معاملات تستخدم عملات أجنبية إلى جانب الجنيه السوداني، في مناطق مختلفة من دارفور والحدود الغربية بينها الفرنك التشادي والجنيه الجنوب سوداني والدولار الأميركي، بينما اتجه المواطنون والتجار بصورة أكبر إلى وسائل دفع بديلة أو إلى العملات الأجنبية في بعض المعاملات.
وفي المقابل، تعمل السلطات النقدية في مناطق سيطرة الجيش على استعادة نشاط الجهاز المصرفي واستبدال بعض الفئات النقدية، وزيادة التدخل في سوق النقد الأجنبي. هذه التطورات تعني أن السوق السودانية الواحدة أصبحت تعمل في ظروف مختلفة من منطقة إلى أخرى: اختلاف في توافر السيولة، واختلاف في قبول بعض الأوراق النقدية، واختلاف في الوصول إلى الخدمات المصرفية، بل وظهور عملات أجنبية كوسيط للتبادل في بعض المناطق..
الجنيه تحت ضغط الحرب:
يأتي ذلك كله في وقت يواجه فيه الجنيه السوداني ضغوطاً شديدة. ففي مطلع سبتمبر، سجل الجنيه في السوق الموازية نحو 7 آلاف جنيه للدولار، وفق متعاملين تحدثوا لـ«راينو»، بالتزامن مع عطل في شبكات الخدمات المصرفية الإلكترونية أدى إلى تعطيل جزء من المعاملات اليومية.. وأدى تراجع قيمة العملة إلى ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الأساسية.
وبحسب أحد كبار الموظفين في بنك خرطومي شهير -فضل حجب اسمه- في حديثه لـ«راينو»: «لا يمكن فصل هذا التدهور عن الانكماش الكبير الذي أصاب الاقتصاد السوداني منذ اندلاع الحرب؛ فالبنك الدولي حدد انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29.4% في 2023، ثم 14% إضافية في 2024 بينما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024-2025
وأوضح المصدر المصرفي أنه في ظل هذا الوضع، تصبح السياسة النقدية أكثر صعوبة؛ فالبنك المركزي يحتاج إلى السيطرة على السيولة وسعر الصرف والتضخم وتمويل التجارة، لكنه يعمل داخل اقتصاد تضررت بنيته المصرفية، وانقسمت طرق التجارة فيه، وأصبحت أجزاء واسعة من البلاد خارج نطاق سيطرة المؤسسات المركزية. وقبل كل ذلك، فإن غالبية الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي منذ ما قبل الحرب بالأساس..
هل نحن أمام انفصال نقدي؟:
في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي د. عصام علي حسين في حديثه لـ”راينو” أن الصراع انعكس بصورة مباشرة على النظام النقدي، في ظل رفض حكومة «تأسيس» التعامل بالفئات النقدية الجديدة من فئتي 500 و1000 جنيه التي طرحها بنك السودان المركزي بعد يونيو 2024، واعتماد مناطق نفوذها على الفئات القديمة أو الدولار في المعاملات النقدية. وفي المقابل، أعلن بنك الخرطوم توسيع خدمة استبدال العملة القديمة في فروعه بولايات الخرطوم والجزيرة، إضافة إلى فرعي الدويم وتندلتي بولاية النيل الأبيض، مبرراً الخطوة بتسهيل حركة المواطنين وضمان انسياب المعاملات النقدية. وأشار حسين إلى أن حكومة «تأسيس» اتخذت، من جانبها، خطوة نحو إنشاء بنك مركزي خاص بها أطلقت عليه «بنك المستقبل»، وهو ما قد يفتح المجال أمام تبني سياسات نقدية منفصلة في مناطق سيطرتها.
ومن أبرز مؤشرات الانقسام، بحسب حسين، تباين سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازي بين مناطق السيطرة المختلفة، إذ أشار إلى أن السعر في مناطق سيطرة الدعم السريع كان دون 4800 جنيه للدولار، مقابل تجاوزه 8000 جنيه في مناطق سيطرة الجيش. وقال إن هذه التطورات، إلى جانب حظر تداول فئات معينة من العملة في مناطق سيطرة كل طرف، وظهور أسعار صرف مختلفة للعملة الوطنية داخل الدولة نفسها، تعكس اتساع الانقسام المالي والنقدي، في وقت أدى فيه النزاع المسلح ونهب المصارف إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي وتراجع دور النظام المصرفي التقليدي.
مورد واحد في اتجاهين :
من الناحية الفنية، بحسب الكثيرين، لا يمكن القول إن السودان أصبح يمتلك عملتين وطنيتين مستقلتين بصورة مكتملة؛ لكن الوقائع والمؤشرات الحالية تشير إلى تشكل انقسام نقدي فعلي في بعض المناطق؛ فوجود ترتيبات مصرفية موازية، وتداول أوراق نقدية مختلفة، واستخدام عملات أجنبية في المعاملات، وتفاوت القدرة على الوصول إلى السيولة والخدمات المصرفية، كلها عوامل يمكن أن تدفع باتجاه مزيد من الانفصال الاقتصادي إذا استمرت الحرب لفترة أطول. وهنا تكمن الخطورة؛ فالانقسام النقدي لا يعني فقط اختلاف الأوراق التي يحملها المواطن في جيبه، وإنما يمكن أن يؤدي إلى انقسام الأسواق نفسها.
ويذهب المحلل السياسي صديق صلاح في حديثه لـ«راينو» إلى أن السودان يشهد بالفعل ملامح انقسام نقدي، في ظل تداول عملتين مختلفتين: العملة القديمة في مناطق سيطرة قوات تأسيس، والجديدة في مناطق سيطرة الجيش، معتبراً أن هذه الخطوة قد تعزز مسار الانفصال لأنها تكرّس واقعاً اقتصادياً ونقدياً منفصلاً بين مناطق البلاد.
وأشار صلاح إلى أن تجربة انفصال جنوب السودان شهدت، مساعي “الكيزان” للفصل عبر تطويل أمد الحرب الأهلية، واضاف: “حالياً تتوفر الظروف وشروط تكريس الانقسام، خصوصاً في ظل وجود الخطاب العنصري، وفي ظل وجود حكومتين وسياسات نقدية واقتصادية مختلفة، وكذلك انقسام حركة الموارد، فضلاً عن الذهب الذي وصفه بأنه مورد سهل التهريب، أصبح يتحرك عبر مسارات مختلفة، وقال إن طبيعة الذهب وسهولة نقله وتهريبه تجعله أكثر قابلية لتغذية اقتصادين منفصلين، بينما يختلف النفط، الذي يصعب تهريبه وتحتاج حركته إلى بنية تحتية وخطوط نقل، الأمر الذي يجعله أكثر ارتباطاً بوحدة الدولة.
وختم صديق بالقول: “ذات الموارد التي أشعلت الحرب وترسخ واقع الانفصال، وأخرجت هذه اللعنة من قمقمها، يمكن أن تكون جنة فردوس الوحدة وازدهار الاقتصاد السوداني”.