انتقادات وأصابع اتهام تطال الحركات المسلحة عامة وتلك التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني خاصة، على خلفية تدهور المشهد العسكري والتزايد المضطرد لما يوصف بالانتهاكات، حيث تسود الأجواء في السودان حالة من التوتر والصراع المستمر، في ظل تساؤلات بشأن مستقبل الحركات المسلحة المساندة للجيش، خصوصًا عقب الانتقادات العلنية التي عبر عنها بروفيسور حامد التيجاني، بالإضافة إلى تململ بعض القيادات مثل مني أركو مناوي، وشيبة ضرار مما يزيد من تعقيد المشهد.
انتقادات واتهامات:
على الرغم من تعدد وتكرار محطات انتقادات الحركات المسلحة والتأشير على عيوب ومساوئ سلوك بعض عناصرها، إلا أن أقوى الانتقادات وأكثرها تأثيرًا وتداولًا هي ما قاله عميد كلية الاقتصاد والسياسات العامة بمعهد الدوحة للدراسات العليا بروفيسور حامد التيجاني، حيث ابتدأ حديثه بنقد سير العمليات في دارفور وتحديدًا الفاشر، التي قال إنها تعاني من حصار قاس، وطالب في تسجيل متداول بإنهاء الحرب فورًا إذا لم تستطع جيوش المشتركة والجيش فك الحصار على مدينة الفاشر محملًا قيادات المشتركة مناوي وجبريل وجنا مسؤولية ما يحدث من أوضاع معيشية قاسية في حال لم يتخذوا قرار فك الحصار أو الاستسلام. كاشفًا عن تسلم قيادات الحركات مبالغ ضخمة لفك حصار الفاشر والمشاركة في القتال مع الجيش، وقال: لذلك عليهم تحمل المسؤولية. وتابع: الناس في الفاشر ومعسكر زمزم يموتون ببطء، حيث بلغ سعر برميل الماء 12 ألف جنيهًا، وانعدم الكبريت واعتمد المواطن على محاولات تهريب السلع الأساسية التي كثيرًا ما تقع تحت يد القوات المحاصرة. مشددًا على أن الفاشر لن تستطيع الصمود لأسبوع إذا لم تتحرك قوات المشتركة المنتشرة في الصحراء، ولم يتحرك الجيش لرفع الحصار.
كما انتقد “التيجاني” ما وصفها بالوثيقة السرية التي قدمتها قيادات الحركات للأمم المتحدة عبر البرهان. وطبقًا للوقائع فإن الجيش طوال أشهر الحصار الطويلة هو الذي يقوم بإسقاط جوي للغذاء والدواء لفرقته المحاصرة والمشتركة وللمدنيين في المدينة، بينما يتساءل نشطاء من دارفور عن سر بقاء القوات المشتركة في الصحراء بآلاف الجنود وبكامل عتادها.
زوايا أخرى:
زوايا أخرى تتجاوز حديث بروفيسور حامد التيجاني، وتلج لعمق سلوك وممارسات الحركات المسلحة، وأبرز تلك الانتقادات ما يوصف بانتهاكات حقوق الإنسان حيث تواجه العديد من الحركات المسلحة اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. تشمل هذه الانتهاكات قضايا قتل المدنيين، والنهب، والاغتصاب، مما يزيد من معاناة المدنيين ويعوق جهود الإغاثة الإنسانية، الأمر الذي أسهم في عزلة الحركات وعزز السخط تجاهها.
كذلك يرى البعض أن المصالح الذاتية هي التي تتحكم في مواقف قياداتها وليس المصلحة الوطنية، حيث تتهم بعض الحركات بالسعي لتحقيق مصالحها الشخصية على حساب مصلحة البلاد، وهو ما يزيد من ضعف ثقة الناس فيها، فضلًا عما يقال عن أن هذه الحركات تستفيد من الاقتصاد الحربي، حيث تضم تجارة الأسلحة والنهب والتهريب، مما يعكس دافعًا مباشرًا لاستمرار النزاع.
دور في الحرب:
كذلك مع اندلاع الصراع العنيف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اتخذت بعض الحركات المسلحة مواقف واضحة من الصراع. في حين دعم عدد من الحركات الجيش السوداني، مثل بعض حركات دارفور المسلحة كتحرير السودان بقيادة مناوي والعدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، و”الأورطة الشرقية”. فيما اختارت أخرى الحياد كحركات أو مكونات الجبهة الثورية بقيادة الهادي إدريس والطاهر حجر، بينما أخرى قررت التحالف مع قوات الدعم السريع. ويتزايد تعقيد المشهد السوداني بمشاركة عدد من الميليشيات التي قامت الاستخبارات العسكرية للجيش بصناعتها كقوات أبو عاقلة كيكل، المعروفة بقوات “درع السودان”، فضلًا عن كتائب ميليشيات الإسلاميين، وكذلك عدد من الميليشيات الجهوية والمناطقية في سبيل مواجهة الدعم السريع.
وبحسب متابعات “راينو” تعتبر مشاركة هذه الحركات في الصراع تغييرًا فعليًا لموازين القوى على الأرض، حيث تساهم في تعقيد الصراع ورفع مستوى العنف. ويعكس هذا الانقسام تحالفات قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع، مما يجعل من الصعب التوصل إلى حلول دائمة تساهم في الاستقرار.
وحسب تحليلات أخرى، فإن مشاركة بعض الحركات المسلحة في الصراع تثير مخاوف من التدخلات الإقليمية، حيث يعتقد أن بعض هذه الحركات تتلقى دعمًا عسكريًا أو ماليًا من دول مجاورة، مما يفتح الباب إلى جعل النزاع في السودان لا يقتصر فقط على الصراع الداخلي، بل يرتبط أيضًا بأجندات إقليمية تعزز من تعقيد الوضع.
ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم إلى أن الحركات التي تقاتل إلى جانب الجيش حريصة على استمرار الحرب وقال لـ”راينو”: من خلال استمرار الحرب فإن جبريل ومناوي يحققان مكاسب سياسية ملموسة، مثل تعزيز النفوذ وهو الماثل حاليًا في بورتسودان ما دفع شيبة ضرار للحديث عن (خلونا ناكل معاكم)، وبعد انتهاء الصراع من خلال السيطرة على أراض أو موارد معينة. مشيرًا لاستفادة هذه الحركات من الاقتصاد الحربي، مما يتيح لها الحفاظ على مصادر الدخل غير المشروعة، والاستمرار في حالات النزاع للاستفادة من الاضطراب الاقتصادي.
ويرى سفيان أن الخلافات العرقية أحد العناصر الرئيسية التي تؤدي إلى استمرار الصراع، وأضاف: عليه تسعى بعض الحركات لتأمين مصالح مجموعاتها العرقية، مما يعزز الفوضى ويعيق الحلول. فضلًا عن ما تجنيه هذه الحركات من أموال بسبب استمرار الحرب عبر القتال مقابل المال مثلما كشف حامد التيجاني، مما يجعلها غير مهتمة بالتوصل إلى حلول سلمية، بل قد تؤثر قواها الاقتصادية في قراراتها.
سيناريوهات محتملة:
تتعدد السيناريوهات التي تبحث في مستقبل هذه الحركات، بيد أنه من المرجح أن تشهد الحركات المسلحة تحولًا في تحالفاتها، حيث قد تندمج بعض الحركات في الجيش السوداني، بينما قد تتفكك أخرى بسبب الانقسامات الداخلية، مع الوضع في الاعتبار أن هذه التطورات مرتبطة بتغيرات الصراع والسياسات المتبعة.
فيما يرى عضو هيئة محامي دارفور والناشط الحقوقي الصادق علي حسن في حديثه لـ”راينو” أن ما تناوله البروف حامد التيجاني ليس بشأن مستقبل الحركات المسلحة الموالية للجيش فحسب بل مستقبل الحركات المسلحة عمومًا والبندقية في التعبير عن قضايا المناطقية والجهوية والتي ظلت تعاني من قضايا المشاركة في السلطة وتجأر عبر المنحدرين منها بمطالب التهميش السياسي والمشاركة في الحكم وترفع المطالب بشعاراتها من خلال فوهة البندقية. وقال: البندقية المرفوعة من كل الأطراف المسلحة أوصلت البلاد إلى حالة الحرب المتجهة نحو الفوضى الشاملة وقد تبنى الجيش صناعة العديد من الحركات والمجموعات المسلحة كذلك هنالك الحركات المسلحة التي نتجت بفعل سياسات نظام حركة الإسلام السياسي وحزبها المؤتمر الوطني وقد صارت الحركات المسلحة التي ترفع شعارات المطالب المناطقية والجهوية كمثل الحركات المسلحة في دارفور ومناطق أخرى عبارة عن حركات خاصة بمجموعات لقبائل وأسر وأفراد بمثل ما جاء في حديث د. حامد التيجاني ولا تطرح هذه الحركات أي حلول مبنية على خطط ودراسات استراتيجية. معتبرًا أنها أصبحت أقرب للمجموعات المسلحة التي تستخدم المطالب لتحصل على السلطة والثروة، وأضاف: صارت بذلك النهج تعبر عمن يساندونها في أطر المصالح التي تعبر عن المصالح الذاتية التي لا ترتقي لمستوى خدمة المطالب والمصالح الجامعة في الجهة الواحدة.
واعتبر الصادق أن مستقبل تلك الحركات مرهون بالظروف والأوضاع الاستثنائية، ولا يتوقع لها تأثير عقب انقضاء هذه الظروف الاستثنائية خاصة عقب انتهاء مرحلة الحرب والمعاناة التي طالت جميع الأسر والمجتمعات والمناطق والجهات. وقال: “كل المكونات الاجتماعية ستبرز وترتفع الأصوات النابعة من القواعد التي تمثل عشرات القبائل والمجموعات السكانية في المنطقة الواحدة لتعبر مباشرة عن مطالبها وتغييب تلقائيًا وتدريجيًا دور الحركة المسلحة.”