السودان

عمار سعيد يكتب: قصة “الفجّار الحنفي” .. آخرُ ظلالِ مسيلمة في الكوفة

بقلم: عمار سعيد

بعد أن انطفأ غبارُ معركة اليمامة، وسقط مسيلمة الكذّاب صريعًا تحت وقع السيوف، تفرّق أتباعه في الأرض. بعضهم قُتل، وبعضهم استُتيب، وبعضهم عاد إلى الإسلام صادقًا أو مُكرهًا. لكن… كان هناك رجلٌ واحد لم يُعرف له أثر واضح بين الناجين كان اسمه الفجّار بن عنفوة الحنفي — رجلٌ في منتصف الأربعين، هادئ القسمات، طويل القامة، قويّ الذاكرة، وكان أحد الذين خدعهم الرَّجّال بن عنفوة بخطبه قبل المعركة.
نجا الفجّار من الموت في يوم اليمامة، وهرب شرقًا في ليلٍ دامس، وما زالت أصوات التكبير ترتجف في أذنيه. لم يكن مستعدًا ليعترف بأنه خُدع، ولم يحتمل أن يرى حلمه — الحلم الذي صدّقه — يسقط عند قدميه بهذه السرعة.

غادر اليمامة إلى العراق… بعيدًا عن العيون، نحو أرض لم تعرفه.

في ذلك الزمن، كانت الكوفة ما تزال مدينة جديدة، تُبنى طرقها، وتتشكل أحياؤها، وتختلط فيها قبائل من كل مكان. دخلها الفجّار بثوبٍ بسيط، ومعه كيسٌ صغير لا يحمل إلا قوت يومين وبعض الحروف التي كان يحفظها من “قرآن مسيلمة”.

لم يجد الرجل صعوبة في الاختلاط بالناس، فهو من بني حنيفة — قوم عرفهم العرب بالقوة والفصاحة.

وبعد أشهر قليلة، صار له مجلس صغير في أحد منازل بني حنيفة في الكوفة، يجتمع فيه البسطاء، وفيهم عدد ممن لا يعرفون تفاصيل ما جرى في اليمامة.

كان يبدأ حديثه بهمهمة خافتة، ثم يعرض “فضائل مسيلمة”، ثم يروي أخبارًا ملفّقة عن أنه لم يمت، أو أنه سيعود، أو أن قتله كان فتنة وقع فيها الناس.

ومع مرور الوقت… ازداد عدد من يحضرون.

بعد خمس سنوات من مقتل مسيلمة، كانت الكوفة قد كبرت، وبدأت تتشكل فيها مساجد للقبائل.

شيّد بنو حنيفة مسجدًا صغيرًا في أطرافها، وهناك — في ركنٍ من أركانه المظلمة — بدأ الفجّار يجهر بدعوته.

في إحدى الليالي، وقف وقال بصوتٍ مرتعش لكنه ثابت:
“أيها الناس! أشهد أن لا إله إلا الله… ومسيلمة رسول الله.”

ساد الصمت.
لم يتوقع أحد أن يسمع هذا الكلام بعد كل هذه السنين.

لكن المدهش أن بعض الحاضرين من السذج لم يخرج… ولم يعترض… بل جلسوا يستمعون.

كان الرجل قد أتقن اللعب على عقول الناس، يخلط بين كلمات متشابهة، وذكريات قديمة، وينفخ في الجراح القبلية التي خلفتها حروب الردّة.
ومع مرور السنوات، صار الفجّار يُعرف في المجالس الخاصة بأنه “الرجل الذي لم تنطفئ نبوءة مسيلمة في صدره”.

حين وصل الخبر إلى والي الكوفة عبد الله بن مسعود — الصحابي الجليل — لم يتردد لحظة.

أرسل جنوده إلى المسجد، فأمسكوا بالفجّار وهو يهمّ بالخروج، وعثروا معه على رقعة من جلد كتب فيها نصوصًا من بقايا أكاذيب مسيلمة.

جاءوا به مكبَّل اليدين إلى مجلس ابن مسعود.
وقف الرجل بين يدي الوالي، والنار في عينيه لم تخمد بعد.

قال له ابن مسعود:
“قُتل صاحبك، وبطلت نبوته، ورجع قومه. فما الذي يبقيك على هذا القول؟!”

رفع الفجّار رأسه وقال كلمات بقيت مذكورة في الروايات:
“مات العرب باليمامة… ولم يمت مسيلمة من صدورنا.”

نظر ابن مسعود في وجه الرجل طويلًا، وكأنه يرى آخر خيط من خيوط الفتنة يختنق.
ثم قال:
“والله لا تبقى فتنةٌ في أرض العراق ما دمنا نحيا.”
وإثر ذلك، أُقيم عليه الحد، وقُتل.

وهكذا انتهت آخر دعوى جهرية لنبوة مسيلمة في الكوفة.

بعد مقتله، فتشت السلطة في المجالس التي كان يعقدها، فوجدوا نفرًا من السذج والبسطاء ما زالوا يؤمنون بكلامه.

ثم أُغلق مسجد بني حنيفة لفترة، وهُدم جزء منه، كي تُمحى آثار تلك الدعوة.
وبقي الناس يذكرون الفجّار بن مالك لا لأنه عالم، ولا لأنه فارس… بل لأنه كان آخر رجلٍ جاهر بنبوة مسيلمة بعد أكثر من عشر سنين على مقتله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار