السودان

قراءة في وثائق الـ FBI وملف الإيرانية شميم مافي: كيف يُدار تسليح الجيش السوداني؟

راينو: وكالات

المطلع على وثائق تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) في قضية الإيرانية شميم مافي، سيجد نفسه أمام باب مختلف تماماً، ألا وهو باب كيف يُدار ملف التسليح في دولة بحجم السودان.

القضية، كما عرضتها التقارير، هي أشبه بنافذة نطل منها على ثقافة كاملة لإدارة عقود التسليح في ظل حكم تنظيم الحركة الإسلامية، المسيطر على هذه الملفات في الدولة السودانية طوال أكثر من ثلاثة عقود.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها: من الذي يفاوض؟ كيف تتدفق الأموال؟ ولماذا كل هذه الصفقات مغلّفة بغطاء من السماسرة والشركات الوهمية والعمولات؟ والأخطر: كيف وصلنا إلى نقطة يحتاج فيها جيش بأكمله إلى وسيطة إيرانية تعيش في أمريكا فقط ليؤمّن ذخيرة أساسية؟

الوثائق التي تم نشرها تكشف تورط شخصيات عسكرية محددة، مثل ميرغني إدريس سليمان، وتوضح بالأدلة ما يمكن وصفه بالفساد.

أموال تحت الطاولة

الوثائق أوضحت طريقة تحويل الأموال، وليس فقط ضخامتها. الحديث يدور عن تحويلات عبر شركات صرافة في تركيا، وخطابات ضمان بنكية، وتحويلات رسمية بين بنوك مركزية، وطلبات دفع “نقدي” بمبالغ صغيرة لتجنب الرقابة، وإشارات إلى “حلول عبر الصرافة” لأن النظام المصرفي العادي “محظور بسبب العقوبات”.

الوثائق المنشورة حول القضية أشارت إلى إحدى الرسائل التي ورد فيها: “في تركيا يمكننا القبول عبر الصرافة فقط، ويجب أن يكون نقداً”.

ويعلّق مخبر الـ FBI على الرسالة قائلاً إن الهدف هو تجنب حدود الإبلاغ والأنظمة الرقابية. وهذا يعني أن أموالاً سودانية كانت تُسحب نقداً من حساباتها الرسمية، وتُحوّل إلى حسابات شخصية لدى صرافين في تركيا، ثم تُسلّم في ظرف مغلق إلى سيدة إيرانية، دون أي فاتورة أو عقد شفاف.

هذا النوع من التحويلات يُعرف في عالم مكافحة غسل الأموال باسم “smurfing” أو “التجزئة المصرفية”، وهي أسلوب تستخدمه عصابات المخدرات ومنظمات الإرهاب عادةً.

لنخضع الأمر للتحليل أكثر: أي دولة، حتى الأفقر في العالم، عندما تشتري سلاحاً من دولة صديقة، تمرّر الصفقة عبر البنوك. لجوء مسؤولين عسكريين إلى نظام “الصرافة” الموازي، الذي يشبه تحويلات تجار المخدرات، هو اعتراف ضمني بأن هذه الصفقات لا تستطيع المرور عبر النظام الرسمي.

إما لأنها غير قانونية، أو لأن البائع محظور دولياً (مثل الحرس الثوري الإيراني)، أو لأن هناك عمولات سرية وهذا هو العامل الأهم لا يمكن كشفها في الحسابات البنكية.
والأدهى من ذلك، لو افترضنا أن النوايا كانت سليمة، فلماذا دُفعت عمولة (183 ألف درهم) قبل استلام السلاح؟

حسب الوثائق، تم دفع 183,500 درهم إماراتي (حوالي 50 ألف دولار) كعمولة لشخص مصري كُلّف بالتفاوض باسم منظومة الصناعات الدفاعية السودانية.

هذا يعني أن هناك طبقة كاملة من السماسرة تتغذى على دماء الجنود، حيث سمسار سوداني يطلب، وآخر مصري يتفاوض، وسمسارة إيرانية تقبض، وصراف تركي يحوّل. كل هؤلاء يأخذون أموالاً كان يمكن أن تشتري ذخيرة حقيقية.

أمن مهدور

ما يبعث على الريبة حقاً في هذه القصة هو مدى السهولة التي اختُرقت بها الاتصالات. فوفقاً للوثائق، كان كبار الضباط السودانيين يتفاوضون على صفقة “250 مليون طلقة” عبر تطبيق واتساب، وكأنهم يطلبون وجبة بيتزا!

الادعاءات تشير إلى إرسال “شهادات المستخدم النهائي” الموقعة من أمين عام وزارة الدفاع الحالي (الفريق أحمد صالح عبود، القائد الأسبق لسلاح المدرعات) عبر واتساب أيضاً.

بل ويُزعم أن أحدهم طلب توريد 5 ملايين طلقة “خلال ثلاثة أيام” لخطورة الوضع العملياتي. تخيّل حجم اليأس والانهيار الذي يدفع ضابطاً برتبة فريق أول إلى التوسل لامرأة إيرانية لا يعرفها قائلاً: “أمامنا 3 أيام فقط”.

المعروف في العمل الاستخباراتي أن أجهزة المخابرات الإيرانية (وزارة الاستخبارات VEVAK والحرس الثوري) تدير واحدة من أكبر وحدات الاختراق الإلكتروني في العالم.
وثائق فك الشيفرات لأنظمة تطبيقات “تليغرام” و”واتساب” أكدت أن هذه التطبيقات ليست آمنة مطلقاً أمام خصم بحجم الحرس الثوري أو الموساد أو وكالة الأمن القومي الأمريكي.

هذا يعني أنه منذ مايو 2024، كانت أجهزة استخبارات أربع دول مختلفة على الأقل (إيران، أمريكا، إسرائيل، تركيا) تتصفح احتياجات الجيش السوداني كما لو كانت منشورات على فيسبوك.

والأدهى أن قائد الجيش نفسه عبد الفتاح البرهان كان في نفس اليوم الذي أُرسلت فيه رسالة الاستغاثة يستقبل رئيس المخابرات العامة المصرية، ويبعث له برسالة “لا سلام ولا مفاوضات”، بينما ضباطه يتوسلون الرصاص من الإيرانيين عبر وسيطة في كاليفورنيا!

هذا المستوى من الانكشاف الاستخباراتي يجعل المؤسسة العسكرية السودانية بأكملها “ثقباً أمنياً مفتوحاً”. معرفة نوع الذخيرة وكميتها وتاريخ استلامها وموقع التسليم يعادل معرفة خريطة المعركة بالكامل.

معرفة أن الجيش السوداني لديه ذخيرة تكفي لثلاثة أيام فقط، تعني أن أي عدو يمكنه أن يخطط لهجوم كبير بعد اليوم الرابع، متأكداً أن البنادق ستصبح بلا رصاص.
عندما تُتداول هذه المعلومات خارج القنوات المشفرة وعبر هواتف شخصية لوسطاء (بعضهم إيرانيون وآخر مصريون)، فهذا خرق أمني جسيم يعرّض حياة الجنود للخطر، وليس مجرد استهتار وعشوائية.

السؤال الأهم الآن: هل تم التحقيق مع هؤلاء الضباط الذين فضحوا أسرار الجيش لتلك السيدة الإيرانية؟ أم أنهم ما زالوا في مناصبهم يوقعون عقوداً جديدة؟

فريق أول “مندوب مبيعات”؟

أكثر ما يثير الجدل والتحفظات هو الدور الذي نُسب لشخصيات مثل الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، مدير منظومة الصناعات الدفاعية (وهو من دفعته قائد الجيش “المعين ذاتياً”).

هذا الرجل، المفترض أنه يدير أكبر مجمع صناعي عسكري في السودان (من اليرموك إلى الصافات والزرقاء وجياد وغيرها)، ظهر في وثائق التحقيق في مشهد لا يليق برجل يحمل رتبته العسكرية على الإطلاق.

وفقاً للتسريبات، لم يُذكر ميرغني إدريس كمتلقٍ لرشوة، بل هو من “كلّف مصرياً بالتفاوض باسم منظومة الصناعات الدفاعية ودفع له 183 ألف درهم”.

أي أن مدير منظومة الصناعات الدفاعية فوّض مهمته، ثم كلّف وسيطاً أجنبياً (مصرياً) لدفع عمولة لوسيطة ثانية (إيرانية) لشراء ذخيرة كلاشينكوف!

المشكلة ليست في وجود وسيط (فالتسليح عالمياً له وسطاء، لكن بعقود رسمية). المشكلة في التفويض وطريقة التنفيذ.

هل يعقل أن أعلى مسؤول في التصنيع الحربي لا يتصل بصنّاع القرار مباشرة في روسيا أو الصين، بل يدخل في دائرة وساطة مع سيدة إيرانية في أمريكا لشراء “صواعق قنابل”؟

هذا لا يعكس فساداً فقط، بل تفككاً كاملاً للعقلية العسكرية، حيث حلّت العلاقات الشخصية والعمولات محل التخطيط الاستراتيجي. لنوضح للقارئ الفرق بين “وسيط دفاعي قانوني” و”سمسار سلاح غير شرعي”: عالمياً توجد شركات وساطة مرخصة ومراقبة تسمى “مقاولي الدفاع” (Defense Contractors)، تتعامل بشفافية وتراخيص رسمية.

أما ما حدث هنا فهو سمسرة غير قانونية، تُدار عبر شركات وهمية في وجهات خارجية، بعيدة عن أي جهة رقابية.

عقوبات ثانوية

الوثائق تؤكد أن وزارة الخارجية الأمريكية صنّفت “منظمة الصناعات الدفاعية” الإيرانية (DIO) والحرس الثوري كمنظمات إرهابية.

فبحسب نص التحقيق، كانت السيدة الإيرانية (التي تعيش أصلاً في كاليفورنيا) تحاول إتمام صفقة فيها قنابل مصنّعة في منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية.

وعندما سألها ضباط الجيش عن كيفية الدفع، قالت ببساطة” عبر الصرافة لتجنب العقوبات. وصدق مسؤولو الجيش!”

والأعجب من ذلك، كما ورد في الوثائق، أن أحد الإيرانيين قال ضمناً إن الصواعق المطلوبة غير موجودة لدى وزارة الدفاع الإيرانية، بل لدى الحرس الثوري فقط.

إذا صحت هذه الادعاءات، فإن الجيش أصبح جهة تخضع لعقوبات ثانوية (Secondary Sanctions) أكثر تشدداً.

سمسرة وفساد

المشكلة ليست في مصدر السلاح، بل في كيفية الشراء ولمن يُدفع الثمن الحقيقي. الثمن الحقيقي لا يدفعه الفريق أول ميرغني إدريس، ولا الفريق أحمد عبود، ولا قائد الجيش. الثمن الحقيقي يدفعه جندي سوداني مجهول يموت لأنه زُج به في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

ويدفعه طفل جائع في مخيم للاجئين في شرق تشاد وكيريان دونغو في يوغندا، لأن أموال الخبز والدواء ذهبت عمولات لسماسرة في إسطنبول وطهران.

ما تكشفه وثائق FBI هو مشهد لمؤسسة عسكرية سودانية تعاني من هوس السمسرة بدلاً من التصنيع، ومن ثقافة العمولة بدلاً من الشفافية، ومن “التسول الإلكتروني” بدلاً من التخطيط الاستراتيجي.

إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، ولو جزئياً، فإن أخطر أعداء الجيش السوداني هم أولئك الذين يوقعون عقوداً وهمية ويقبضون عمولات ويبيعون أمن البلاد عبر تطبيقات الهواتف الذكية. فلا عجب أنهم نفس الأشخاص الذين قضوا أربعة أشهر وعشرة أيام في أقبية قيادتهم، ينتظرون الفرج.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار