تشهد مدينة كسلا، شرقي السودان، موجة غير مسبوقة من الجرائم المنظمة والانفلات الأمني، تزامنت مع تراجع حاد في الخدمات الأساسية وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة، ما تسبب في حالة من الاحتقان الشعبي والقلق بين السكان الذين باتوا يشعرون بتهديد مباشر على حياتهم اليومية.
وفي الأيام القليلة الماضية، رصدت تقارير ميدانية وشهادات لمواطنين تحول الطرق القومية والفرعية في محيط المدينة إلى نقاط خطر؛ إذ تكررت حوادث إطلاق النار بغرض النهب.
وآخر هذه الحوادث شهدها طريق “القرف” بالريف الغربي، والذي أُصيب فيه شخصان برصاص مسلحين طاردوا عربتهم بقصد السرقة.
نهب مسلح
هذه الواقعة ليست معزولة، فقد سبقها بيوم واحد وفاة التاجر “نصر الدين علي عبد الله” متأثراً بجراحه بعد تعرضه لعملية نهب مسلح أثناء قيادته مركبته (تكتك).
وفي حادثة وُصفت بالخطيرة، تعرض فريق طبي كامل مكون من ثمانية أفراد لعملية نهب تحت تهديد السلاح في منطقة “ملوية”، عقب تجريد عصابة ملثمة لهم من هواتفهم وأجهزتهم الطبية وحواسيبهم الشخصية قبل الفرار.
أنماط جديدة للجريمة
يشير سكان المدينة إلى ظهور أنماط من الجريمة المنظمة، منها ما يعرف بـ”عصابات تسعة طويلة” التي تنشط في الخطف والسرقات الليلية، خاصة في مناطق الضفة الغربية.
ويرى مواطنون أن هناك فجوة واضحة في بسط الهيبة الأمنية، ما شجع المجموعات المسلحة على تنفيذ عملياتها في وضح النهار وعلى الطرق الرئيسية، وسط مطالبات ملحة لوزارة الداخلية والشرطة السودانية بالتدخل العاجل لإعادة الانضباط إلى الشارع.
ولا يتوقف التوتر في كسلا عند الجانب الأمني، فالمدينة تعيش “أزمة خدمات” حادة؛ إذ يشكو الأهالي من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ما أدى بدوره إلى أزمة خانقة في مياه الشرب.
وفي قطاع المواصلات، دخل سائقو الحافلات في إضراب عن العمل للمطالبة بزيادة “التعرفة” لمواجهة تكاليف التشغيل المرتفعة، ما أدى إلى شلل جزئي لحركة الموظفين والطلاب بين أحياء المدينة.
واقع اقتصادي معقد
على المستوى الاقتصادي، سجلت السلع الأساسية أرقاماً قياسية؛ إذ وصل سعر أسطوانة غاز الطبخ إلى 86 ألف جنيه، وتجاوز سعر جالون البنزين حاجز الـ41 ألف جنيه، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية.
هذا الواقع الميداني المعقد يتصادم مع التصريحات الرسمية؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه السلطات المحلية مطلع مايو الجاري عن “استقرار أمني غير مسبوق” وتحسن في الأوضاع الاقتصادية، أعلنت أيضاً عن خطط لمشاريع تنموية كبرى.
لكن الوقائع على الأرض تؤكد أن المواطن في كسلا يواجه تحديات أمنية ومعيشية تتطلب استراتيجية استجابة سريعة تتجاوز الوعود الورقية إلى الحلول العملية على أرض الواقع، لتفادي انزلاق المدينة نحو “فوضى شاملة.