السودان

خطاب البرهان يثير الكيزان .. ما الذي أغضب الحليف؟

تقرير: راينو

“خطاب مُعاد ومُكرر”. هكذا جاءت العديد من التعليقات الإسفيرية على حديث قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان السبت، معلناً استمراره في حالة التعنت المستمر، ورفض أي عملية تفاوضية او وقف لإطلاق النار.. وبعيدا عن التعليقات الساخرة، انبرت تيارات حزب المؤتمر الوطني في إصدار البيانات الغاضبة متوعدة تارة ومهادنة تارة أخرى، وبين السطور برزت الحقيقة القائلة بقوفوهم الدائم خلف استمرأ الحرب.. فما الذي اغضب الاسلاميين من حليفهم الجيش عموما والبرهان على وجه الخصوص؟

جزئية معادة:

وتناول خطاب البرهان مجدداً حديثه المعادي بصرامة لقوات الدعم السريع واي محاولات للتهدئة او وقف اطلاق النار، قبل أن يمس القوى السياسية المدنية وتحديدا “تقدم” التي ظلت عنصرا ثابتا في خطاباته كما يرى المراقبون، وشماعة اساسية في تعليق وزر الحرب عليهم بدلا عن مفتعليها الحقيقين من حلفائه الاسلاميين الذين يقاتلون إلى جانب الجيش بل ويوجهون قيادته في كثير من الاحيان. بيد أن البرهان مس بشكل مباشر – حسب الكثيرين – غطرسة ونرجسية الحزب المباد بقوله: “لا فرصة لكم  في العملية السياسية أو العودة لتحكموا على  أشلاء السودانيين”.

رد الفعل:

وتذهب التحليلات إلى أن سبب الغضب بشكل حقيقي هو حديث البرهان عن تشكيل حكومة برئيس وزراء يشكل حكومة دون الرجوع إلى حلفائه الذين يقاتلون معه، فضلا عن حديثه عن الوثيقة الدستورية التي قال انها ستخضع للتعديلات.. وهو ما يعيد لفت النظر لاطراف الوثيقة الاساسية الأولى وما جرى عليها من تعديلات وما تؤسس له من شرعية، مع الاحتفاظ بعبارة ما عدا المؤتمر الوطني. وهو ما لا يريده الاسلاميين بدافع التشفي والانتقام من القوى السياسية والثورية والبحث عن مدخل لمشروعية العودة للمشهد وهو ما دفع لاشعالهم الحرب طبقا لهذه لتحليلات.

وهاجم المؤتمر الوطني المحلول وعدد من قياداته خطاب البرهان، وقال  بيان للقطاع السياسي “نربأ بالبرهان من مهاجمة المؤتمر الوطني في كل سانحة تسنح له تقرباً وتزلفاً لقوى متهالكة هشة، ونرى أنه من المبكر الالتفات إلى الخلاف والشقاق والبحث عن المكاسب السياسية التي ستضر حتماً بالمعركة” واضاف: ورد في البيان: (.. وما أن تضع الحرب أوزارها، نبشر السيد القائد العام والقوى السودانية السياسية الوطنية وغير الوطنية والجيش السوداني وكل أبناء وبنات السودان والمجتمع الدولي بأنه لن يصادر إرادتنا أحد، فنحن حزب ضاربة جذوره في المجتمع السوداني…).

في المقابل وحسب القيادي في البعث العربي الاشتراكي محمد ضياء الدين، فإن القوى المدنية المناهضة للحرب تجاهلت خطاب البرهان إلى حد كبير، معتبرةً إياه جزءًا من سلسلة مناورات سياسية تهدف إلى ترسيخ حكم فردي للبرهان عبر تعديلات دستورية مرتقبة وتشكيل حكومة تمنح قيادة الجيش وحلفاءه شرعية سياسية مفقودة.

سر التوقيت:

تحليلات اخرى ترى أن خطاب البرهان هذه المرة وهجومه على الاسلاميين ليس خديعة كما أعتاد أن يمارس، ويرى البعض أن ادارة الرئيس ترامب لن تصمت طويلا في سياق العبث الدائر في السودان وتنامي سطوة الجماعات المتطرفة والارهابية.

ويذهب الكاتب والمحلل د. عبد الرحمن السيد أحمد في مقال طالعه”راينو” إلى ان ثمة معلومات ضرورية لفهم خطاب البرهان وهجومه على المؤتمر الوطني. واضاف: أول هذه المعلومات تتعلق بالقوى الإقليمية الداعمة للبرهان وتسلمه خلال الأسبوعين الماضيين ثلاث رسائل من مصر والسعودية وإسرائيل بنفس المحتوى، وهو التحذير من النشاط المتعاظم لميليشيات الإسلامويين، بما في ذلك القاعدة وداعش.

وأبان السيد أن الدول الثلاث لديها معلومات بأن داعش والقاعدة تستغلان فوضى الاستنفار وتوزيع السلاح العشوائي لتدريب وتسليح عناصرهما، ومن ثم الانقلاب على طرفي الحرب الرئيسيين (الجيش والدعم السريع) والاستقلال بمنطقة معينة على تخومهما وإقامة إمارتين بالغتي التطرف، واضاف: فضلًا عن أن ميليشيات الكيزان مثل البراء والبرق الخاطف، وبعلاقتهما بإيران وتركيا، تمكنت من حيازة كمية من الأسلحة والمسيّرات النوعية، فإذا استمر تدفق هذه الأسلحة عليها، فسيكون من الصعب مستقبلًا السيطرة عليها.

وكشف عن تحذير الدول الثلاث للبرهان من ادارة ترامب ورفضها لوجود الميليشيات الإسلاموية، فإما أن يتخذ البرهان إجراءات عملية ضد هذه الميليشيات، وإما عليه أن يتوقع عواقب جدية من إدارة ترامب، وان ترامب يحمل في جعبته ما يجعل البرهان وجيشه صاغرا امام الارادة الامريكية خصوصا بعدما توفرت ادلة على استخدام الجيش للأسلحة الكيميائية ضد الدعم السريع في منطقتين. وقد تمكنت أجهزة استخباراتية غربية من التوثيق الكامل لواقعتي الاستخدام، بما في ذلك أخذ صور وشهادات ضباط وجنود من القوات المسلحة نفسها أصيبوا في الواقعتين كأضرار جانبية. بالاضافة إلى الادلة القاطعة على عمليات التصفية للمدنيين في العديد من مدن ومناطق السودان من قبل ميليشيات البراء والبرق الخاطف وقوات العمل الخاص والاستخبارات العسكرية، وهو ما يجعل كل الجيش وقيادته وحلفائه في خانة مجرمي الحرب وتحت طائلة القانون الانساني الدولي.

وتذهب التحليلات أنه على الرغمن توفر الادلة على جرائم البرهان وجيشه والمتطرفين من الميليشيات التي يحميها الجيش، إلا ان الاولوية لدى المجتمع الدولي والاقليمي هي تنفيذ انساحابات الدعم السريع لإخلاء العاصمة والجزيرة، ومن بعد ذلك وضع المطالب الأساسية أمام البرهان، فإما أن يستجيب بسرعة ووضوح، وإما أن تتصاعد ضده حملة تمهيدًا لعواقب الوخيمة. وبالتالي على البرهان القاء اللوم في كل النتداوزات والدرائم على الاسلاميين وميليشياتهم لاخراج الجيش من الورطة القادمة، وهو ما ينذر باحتمالات الصدام التي ينتظرها الكثير من السودانيين لتكون نهاية الاسلاميين في السودان بعد ان ظلوا محميين بالجيش لعهود طويلة.

لا قيمة لها وتلاعب:

ويذهب المحلل السياسي عثمان فضل الله في حديثه لـ”راينو” إلى أن البرهان يعلم تمام العلم أن علاقته بالاسلاميين حرام لرفضهم من قوى الثورة والقوى المؤمنة بالتغيير وعدم قبولهم بشكل قطعي من اهل دارفور الذين تعرضوا لعمليات إبادة ممنهجة من منسوبي هذا التنظيم. واضاف:” أيضا هذه المجموعات غير مرغوب فيها من المحيط الإقليمي والعالم  غير أن البرهان بحكم التوازن العسكري على الأرض مجبر على هذه العلاقة ولا يستطيع الفكاك منها لهذا يعمد من حين لاخر الى إرسال هذه الرسائل ليخاطب بها الرافضين محاولا ارضائهم بهذه الكلمات.

واكد فضل الله أنه منذ اندلاع هذه الحرب أدلى البرهان بأربعة تصريحات شبيهة انكر في ثلاثة منها وجود إسلاميين يقاتلون معه وكان يردد وسط جنوده (قالوا انتو كيزان هل فيكم كوز؟ شايفين ليكم كوز؟) وتابع: “في حين أن الشعب السوداني يعلم ان هذه الحرب هي حرب اشعلها الكيزان ويديرها الكيزان لكنه ظن بأنه بترديد هذه العبارات سيخدع الداخل والخارج وذات النكران كرره إبان زيارته الأولى للقاهرة بعد خروجه من القيادة العامة ونفي نفيا قاطعا وجود كيزان في صفوف المقاتلين.”

ويشدد عثمان على أنه مع استمرار الحرب، وشعور الكيزان بالخوف من نكران وجودهم تعمدوا إبراز وجودهم بل تضخيمه وتفخيم دورهم في الحرب ووضعوا البرهان أمام حقيقة انه لن يستطيع نكرانهم كما في السابق، فأتخذ مربعا جديدا بقوله أن من يقاتل تحت راية حزب عليه وضع السلاح وهذا التصريح الثاني له بهذا المعني. وقال: في تقديري هي تصريحات بلا معنى لأن البرهان بعلم وقيادة الإسلاميين تعلم انهم هم من يقودون الحرب ويديرون الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار