السودان

“مونولوج” كامل إدريس: خطاب أحادي الاتجاه يخدم مشروع الحركة الإسلامية

راينو: وكالات 
الأسبوع الماضي نشرت منصة “أفريكان إنتليجنس” المتخصصة في تتبع دوائر القرار السياسي والأمني في إفريقيا تقريراً بعنوان الحوار الوطني لكامل إدريس يتحول إلى “مونولوج” أي حديث من طرف واحد، التقرير قدم قراءة لمسار “الحوار الوطني المزعوم” الذي يروّج له رئيس الوزراء بسلطة بورتسودان، كامل إدريس.
المنصة أشارت إلى أن ما يُطرح تحت مسمى الحوار يبدو عملياً أقرب إلى أداة سياسية ودبلوماسية تُستخدم لترسيخ شرعية الحكومة الانقلابية القائمة في بورتسودان دولياً ومحلياً بدلاً من أن يكون منصة تفاوضية جامعة تؤسس لتسوية شاملة.
خطاب أحادي
وفقاً للتقرير فإن كامل إدريس المعين من سلطة بورتسودان الانقلابية عاد ليطرح من جديد خطة السلام التي سبق أن أعلن عنها أمام مجلس الأمن في ديسمبر الماضي، تحت مظلة “حوار وطني” في محاولة لاستعادة زمام المبادرة وتقديم بديل محلي للمسارات الدولية.
لكن إعادة الطرح هذه وفقاً لقراءة “أفريكان إنتليجنس” تنطوي على مشكلة جوهرية ألا وهي أن الحوار هو في الأصل ليس حواراً بالمعني المفهوم بل خطاب أحادي الاتجاه تُصاغ مخرجاته مسبقاً ضمن سقف لا يهدد مركز السلطة القائم وتُدار العملية السياسية من أعلى هرم سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.
سؤال الشرعية
أحد أبرز نقاط الضعف البنيوية في هذا المسار والتي يتجاهلها خطاب سلطة بورتسودان والداعمين له أن كامل إدريس لم يأتِ عبر انتخابات حرة ولا عبر ثورة شعبية وطنية داعمه بل هو نتاج تعيين من قبل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في مايو من العام الماضي ليس إلا.
هذا التفصيل هو جوهر القضية برمتها فحين تُطرح “عملية حوار وطني” من سلطة تنفيذية غير منتخبة بل ومعينه عبر سلطة انقلابية بالأساس في سياق حرب وانقسام مؤسسي حاد، تصبح إشكالية الشرعية جزءاً من مضمون الحوار وليس مجرد خلفية له.
مراقبون ذهبوا إلى أن التعيين جاء كاستجابة لضغوط خارجية من الداعمين لسلطة الانقلاب بهدف خلق واجهة مدنية لتلميع صورة المؤسسة العسكرية المتداعية أمام المجتمع الدولي خاصة في ظل تصاعد العقوبات الغربية وعزلة قيادات الجيش.
هذا التعيين لكامل أدريس أثار في حينه ولا يزال ردود فعل متباينة؛ فبينما رحب به وسانده الإسلاميين كخطوة لاستعادة النفوذ اعتبرته قوى سياسية مدنية أخرى مفتقراً إلى أبسط قواعد الشرعية السياسية اللازمة.
بل إن بعض المحللين الأكثر تفاؤلاً ذهبوا إلى أن تعيين إدريس بصفته تكنوقراطياً محسوب على دوائر الإسلاميين قد لا يكون سليما إلى حد كبير ويمثل إطاراً مؤقتاً يُستخدم لتمرير أجندات أوسع لا يمتلك هو القدرة على توجيهها أو اتخاذ القرار فيها.
أداة خداع
لكن ما يتجاوز قراءة ” أفريكان إنتليجنس” وتؤكده وقائع سياسية أخرى هو أن الحوار الوطني المزعوم الذي يتبناه ما هو إلا مشروع لإعادة تموضع الحركة الإسلامية الإرهابية في السودان التي تجد نفسها اليوم تحت ضغوط هائلة. في مارس الماضي صنفت الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية أجنبية مع ما يرتبط بذلك من تجميد للأصول وقيود على تحركات القيادات، هذا التصنيف وضع الحركة في مأزق وجودي ودفع قادتها إلى البحث عن مخرج آمن.
لذا جاءت مسرحية تعيين كامل إدريس، فبحسب مصادر سودانية موثوقة فإن إدريس خاضع فعلياً لقرارات الإسلاميين، وساد لدي المتفائلين منهم أي الإسلاميين أنه قد يُعتبر شخصية مقبولة في الأوساط الدولية بفضل عمله السابق في منظمة الملكية الفكرية الدولية، وبالتالي قد يمثل واجهه يمكن للحركة الإسلامية أن تتخفى خلفها ةتسوّق من خلاله مشروعها السياسي للمجتمع الدولي تحت غطاء الحوار الوطني وحكومة التكنوقراط.
هذه القراءة تعززها تقارير تشير إلى أن خلف الكواليس صراع شرس يدور بين الإسلاميين والحركات المسلحة الأخرى إذ يجري تهميش تدريجي لهذه الأخيرة لصالح تثبيت الإسلاميين بثياب تكنوقراطية جديدة، فالـحكومة المسماة بحكومة الأمل التي يروج لها إدريس لم تكن سوى إعادة تدوير لشخصيات من النظام الإسلاموي كما أشارت وبوضوح تقارير ميدل إيست آي Middle East Ey، التي وثقت تعيين وزراء شاركوا في حكومات ما بعد انقلاب 2021.
وفي خطوة تكشف حقيقة التوجهات الحقيقية لسلطة بورتسودان، ألقت السلطات في بورتسودان القبض على القيادي الإسلامي الناجي عبد الله وهو قائد ميليشيا إسلامية متطرفة مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش بعد أن أعلن صراحة تأييده لإيران وحماس.
البعض قرأ الاعتقال كرسالة من سلطة بورتسودان للمجتمع الدولي والولايات المتحدة بحيادية السلطة، لكنه في جوهره لا ينفي أن الحركة الإسلامية متجذرة وبعمق في المؤسسة العسكرية والأمنية والقضائية وأن السلطة القائمة في بورتسودان حاليا غير راغبة في تغيير منهجها القديم.
أداة دبلوماسية فاشلة

ما يكشفه تقرير “أفريكان إنتليجنس” والوقائع السياسية المؤكدة هو أن “الحوار الوطني المزعوم” الذي يقوده كامل إدريس ليس أكثر من أداة سياسية ودبلوماسية فاشلة تستخدم لخدمة جندين متلاصقتين، الأول محاولة واهيه لترسيخ شرعية حكومة بورتسودان دولياً، واستغلال تعثر المسار الدولي تجاه السودان لتمرير رؤية سياسية لا تحظى بإجماع وطني.

أما الجند الثاني فهو إعادة تموضع الحركة الإسلامية في المشهد السياسي السوداني تحت غطاء “التكنوقراط والحوار الوطني المزعوم” لخداع المجتمع الدولي وإعادة إنتاج النفوذ القديم بأشكال جديدة بعد الضربة الأمريكية الموجعة بتصنيفها منظمة إرهابية.

والأكثر إدانة في هذا المشهد أن رئيس وزراء سلطة بورتسودان وهو المعين من قائد الانقلاب وليس منتخباً بطبيعة الحال يتحول إلى أداة في صراع سلطة لا يمثل الشعب السوداني طرفاً فيها؛ فغياب التفويض الشعبي وشرعية الثورة يجعلان منه مجرد ظل سياسي لمؤسسة عسكرية تسعى لتجميل صورتها ولحركة إسلامية تصارع للبقاء بعد تصنيفها كمنظمة إرهابية.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار